ما الذي فعـله ويفعله أردوغـان؟!

د. صياح عزام:

على امتداد مرحلة الحرب الباردة شاركت تركيا في أحداث المنطقة والعالم، عبر انتمائها للمعسكر الغربي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ومن خلال، وكانت عضويتها في حلف شمال الأطلسي نقطة تحول في سياساتها الخارجية.

قبل الحرب العالمية الثانية، كانت إلى حد ما حيادية، وحيادية أثناءها، ثم أصبح التوجه بعدها إلى حماية تركيا مما يسمى أطماع الاتحاد السوفييتي السابق في المضائق. لقد التزمت تركيا بتوجهات الأطلسي ولم تحد عنها قيد أنملة، فيما كان التوجه العلماني حاسماً في إدارة ظهرها للمشرق الإسلامي والعربي خاصة.

وبين التوجهين الأطلسي والعلماني، كانت تغرّد عالياً في علاقات استراتيجية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي في نسج تحالفات معه، استهدفت حركات التحرر العربي القومي، ووصل الأمر بتركيا في مطلع الستينيات أن تقف ضد التصويت لاستقلال الجزائر في الأمم المتحدة!

ولكن رغم كل ذلك لم تستطع تركيا التأثير في المشهد العربي الداخلي، كان لسان حالها (ابعد عن الشرّ وغنِّ له) كما يقال، ونادراً ما كانت تركيا تقيم اتصالات أو تتبادل زيارات مع العواصم العربية، ما عدا تلك العواصم المتحالفة معها في أحلاف مثل حلف بغداد، أي كانت سياسة تركيا حينذاك الند للند أو من دولة إلى دولة.

في نهاية شهر أيلول عام 1998 وجهت تركيا على لسان رئيسها سليمان ديميريل ووزير دفاعها تهديدات إلى سورية، لإخراج عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني من سورية، وقد قامت الدولة السورية بإخراجه إلى موسكو، وبعد ذلك اختطفته المخابرات التركية والأمريكية من كينيا.

مرت بعد ذلك حقبة من العلاقات الجيدة بين سورية وتركيا، وشهدت الحدود بينهما هدوءاً بموجب اتفاقية أضنة في عام 1998.

ولكن بدءاً من عام 2011 وما يسمى بـ(الربيع العربي) أصبحت تركيا طرفاً مباشراً في العدوان على سورية وعدة دول عربية أخرى.

لقد تدخلت في الأحداث التي شهدتها سورية على يد المجموعات الإرهابية المسلحة، فأقامت معسكرات تدريب واستقبال للمرتزقة والإرهابيين القادمين من كل أنحاء العالم، وأمدّتهم بالسلاح، وسهّلت دخولهم إلى الأراضي السورية، واستقبلت اللاجئين السوريين الذين فرّوا من المناطق التي سيطر عليها الإرهابيون، واستثمرت فيهم من خلال استنزاف أوربا ودول أخرى بطلب المال والمعونات لهؤلاء.

وفي زيارات أردوغان وأحمد داود أوغلو وغيرهما من المسؤولين الأتراك إلى دمشق، كان إشراك عناصر من الإخوان المسلمين في الحكومة السورية مطلباً تركياً ثابتاً ودائماً، وحتى هذا التاريخ مازالت شاحنات الأسلحة التركية تدخل إلى الأراضي السورية يومياً، كل ذلك بذريعة الخوف من قيام كيان كردي لأكراد سورية على الحدود السورية التركية، وأيضاً الخوف من تحرك الأكراد داخل تركيا لإقامة كيان مستقل لهم. وفي وقت لاحق احتلت تركيا أراضي سورية احتلالاً مباشراً (مثلث جرابلس – الباب – إعزاز- وعفرين)، كذلك احتلت إدلب وأقامت نقاطاً عسكرية في شمال حماة وريف إدلب، وتبع كل ذلك تصريحات بين الحين والآخر لأردوغان تعكس أطماعاً تركية باقتطاع أراض سورية، إذ ادّعى أكثر من مرة أن حلب السورية والموصل العراقية هما أراض تركية.

وفي العراق، تدخلت تركيا عسكرياً أكثر من مرة، وأقامت لها قواعد عسكرية في الأراضي العراقية وعلى امتداد الشمال العراقي، بالرغم من إرادة الحكومة العراقية.

أما المشهد الليبي فيعكس تدخلاً تركياً سافراً وفاضحاً، وقد كان هذا التدخل واضحاً منذ اللحظات الأولى لبدء الأحداث في ليبيا والإطاحة بالعقيد القذافي وقتله. وهي حتى الآن ترسل قوات وسفناً وطائرات وجنوداً ومساعدات مادية لمساندة فصائل إرهابية تابعة لها.

والسؤال هنا: ماذا يريد أردوغان من ليبيا، البعيدة عن بلاده آلاف الكيلومترات وليست هناك أية علاقات أمنية أو جغرافية بين البلدين؟ ولماذا تدخلت تركيا عسكرياً وهددت الجيش الوطني الليبي عندما بدأ تقدمه باتجاه طرابلس لتحريرها؟!

لماذا فعل أردوغان كل ذلك ولم يترك الليبيين أنفسهم يقررون مصيرهم؟!

الإجابة واضحة عن هذه التساؤلات، فأردوغان يدعم جماعة الإخوان المسلمين وأتباعه الآخرين ليكون له حصة في الكعكة الليبية.

الخلاصة أن تركيا في ظل حكم السلطان أردوغان ليست لكل الأتراك، بل هي لحزب العدالة والتنمية، ولأردوغان بالذات، الذي قادها إلى رهانات ومغامرات خاسرة، وأدخلها في مشكلات مع جيرانها ومع دول أخرى عديدة غير مجاورة لها، وعرّضها لمخاطر كبيرة وجعلها مصدر عدم استقرار في المنطقة بأسرها.

العدد 882 - 16/10/2019