إضاءة عـلى بعـض التناقضـات في مسـار الأزمـة السـوريـة

محمد علي شعبان:

رغم الالتباس القائم في فهم طبيعة الحراك في سورية، منذ منتصف آذار 2011 حتى الآن، والخلاف  قائم بين أطراف الانقسام الوطني  حول  التوافق على توصيف  ذلك الحراك، وبالتالي الخلاف على سبل حل الأزمة، ورغم كل المعطيات والدلائل التي كشفت  العديد من الالتباسات، إلا أن البعض من أطراف السلطة  مازال يعتقد أن ما جرى في سورية هو مؤامرة كونية على الوطن، دون الاعتراف أن هناك أسباباً داخلية تستدعي الاحتجاج والتظاهر. والبعض الآخر المتمثل بالمعارضة الخارجية ومن معها يؤكد أن ما يجري في سورية هو ثورة، ويجب دعمها حتى تحقيق غاياتها، ولو اقتضى ذلك تقسيم جزء من الوطن.

ومعظم القوى التي هُمِّشت من طرف السلطة ومن طرف المعارضة  طيلة تسع سنوات مضت، تعتقد أن ما جرى  هو ثورة مضادة، تحولت إلى   أزمة وطنية مستعصية على العنف، أرهقت سورية وولدت الكثير من الأزمات، الاقتصادية والفكرية والسياسية، وخلفت آلاف الضحايا، والمفقودين، والمهجرين، وعمّقت الخلافات الطائفية والمذهبية بين أبناء الوطن الواحد، ومهّدت الطريق لتدخل أعداء سورية في شؤونها الداخلية، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، الذي أصبح لاعباً أساسياً في الأزمة بعد ظهور انزياح بعض المعارضين للاستقواء بهذا الكيان ومن خلفه، ودعم غير محدود من قبل الإدارة الأمريكية  ومن يتحالف معها.      .

بيد أن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أسّس لصراعات قومية وعمل على إحياء فكرة الانفصال، عند المواطنين الأكراد في المنطقة الشرقية من سورية، إضافة إلى ذلك الخلافات القائمة بين أطراف الانقسام الوطني حول طبيعة الأزمة الوطنية، وتداعياتها. والخلاف حول سورية المستقبل، وموقعها في التحالفات الإقليمية والدولية، والخلاف القائم حول تحديد خصوم سورية وأعدائها، وأصدقائها.

كل هذه التباينات نقاط خلافية، بين أطراف الانقسام الوطني الثلاثي في سورية، بين معارضة خارجية مرتبطة بأطراف دولية وإقليمية وكتلتها الاجتماعية من جهة، وسلطة وموالاة وكتلتهما الاجتماعية من جهة ثانية، ومعارضة وطنية ديمقراطية وكتلتها الاجتماعية الأكبر في داخل الوطن، إضافة إلى هيئات ومؤسسات المجتمع المدني، داخل الوطن السوري.

وفي قراءة لتحديد طبيعة الحراك في سورية والأطراف التي وظفته لصالح مشاريعها الإقليمية والدولية، والتي تعمل وتراهن على تعميق الانقسام الوطني والسير فيه إلى نقطة اللاعودة، مستغلة في ذلك جميع الأوراق الطائفية والمذهبية، في إعادة إحياء خلافات وصراعات عمرها تجاوز المئة عام، كانت هذه الأوراق بوابة دخول احتلالات مختلفة تعرضت لها المنطقة العربية جملة وتفصيلاً. ورغم التغيرات التي طالت العديد من البلدان العربية، إلا أن هذه الأوراق مازالت تتجدد دائماً من أطراف خارجية، إقليمية ودولية، تجيد استثمارها وتوظيفها بما ينسجم مع مصالحها.

وهذا ليس غريباً على بنية تلك الدول الطامعة في بلداننا ونهجها، وهي صاحبة المشاريع التوسعية على أراضينا.

لكن المستغرب والمفاجئ بالأمر هو دور الحكومات العربية التي لم تعط هذا الأمر الأهمية الكافية، طيلة سبعين عاماً بعد استقلالها.

والسؤال: ماذا فعلت سلطات وحكومات الدول العربية، خلال سبعين عاماً، لتثبيت الاستقلال؟ وما هو الجهد الذي بُذل من أجل الوحدة العربية، التي رفعوها شعاراً لمدة سبعين عاماً حتى تموّت الشعار وتقسّمت الأمة؟ وهل حصل أي اندماج وطني بين أبناء الدولة الواحدة، تجاوز فيه المواطنون طوائفهم ومذاهبهم؟!

وفي خضم الحديث عن الحل السياسي للأزمة السورية لابد من البحث عن الإشكاليات التي ذكرتها، والعمل على:

1- تحديد الأطراف الخارجية، الفاعلة في الأزمة، وأدواتها البشرية المرتبطة بها، والتي تشكل صماماً قابلاً للانفجار حين الطلب، إذ يعاد إنتاج الأزمة بأخطر وجوهها، والعمل على فك ارتباط هذه القوى، والمجموعات بطريقة الاندماج الوطني وإبعادها عن مؤثرات الأطراف الإقليمية والدولية التي ساهمت بخلق الأزمة.

2- العمل على بلورة المشروع الوطني الديمقراطي، ومشاركة أوسع تعبيرات سياسية واجتماعية، تتوافق على الانتقال التدريجي السلمي الآمن، إلى نظام ديمقراطي علماني، يتحقق فيه فصل الدين عن الدولة، أسوة بالبلدان التي سبقتنا، وكرست ثقافة المواطنة، وأصبحت هي المعيار الأساسي، بعيداً عن أي انتماءات أخرى طائفية أو مذهبية. وبغير ذلك تبقى إمكانية إنتاج الأزمة قائمة وبأشكال مختلفة، وقابلة للاستثمار من قبل الأطراف صاحبة المطامع في الوطن السوري.

3- إن مجموع النقاط الخلافية التي تشكل المعضلة الحقيقية، لا يمكن حلها، إلا بخلق شرعية جديدة من القوى الوطنية الديمقراطية، التي دفعت تكاليف الأزمة، عندما كانت رموز المعارضة الخارجية تعيش في أفخم الفنادق وتعقد الصفقات هناك مع أطراف مشبوهة على حساب الشعب السوري.

لذلك لابد من وضع أسس صحيحة للحل، وهي تقوم على:

-اعتراف الجميع ببعضهم البعض كشركاء بالوطن، والإقرار بعدم وجود طرف واحد يمثل الوطن ويحتكر القرار الوطني.

وهذا يقتضي العمل السريع والجاد من أجل، التحضير لمؤتمر حوار وطني عام، تتمثل فيه أطراف الانقسام الوطني الثلاثي، عبر نخبها السياسية والاجتماعية، والفكرية، يأخذ على عاتقه خلق أجواء مختلفة عن الأجواء السابقة، التي أخذت الوطن بمقدراته إلى الهاوية.

إن تجربة تسع سنوات من الحرب الدمار والقتل والتهجير تستحق دراستها ومراجعة أحداثها لوضع تصور جديد يمنع عودتها.

ولا يمكن لأدوات القتل والإجرام أن تتحول لتصبح أدوات سلام. كما لا يمكن لتجار الأوطان أن يُؤتمنوا، ليكونوا حراساً على الوطن.

إن أكثر الناس ائتماناً هم أولئك الذين لم يغادروا الوطن، ودافعوا عنه، ووقعت عليهم تكاليف الأزمة، وضحّوا بأبنائهم وأموالهم لحماية الوطن، في الوقت الذي كان تجار الأوطان وتجار الأزمات يمارسون أبشع أنواع الابتزاز بحق هؤلاء الذي قدموا كل ما بوسعهم من أجل حمايته والحفاظ عليه.

العدد 873 - 07/08/2019