تأثير اللاوعي في ازدواجية الشباب
حسن البني:
من التصرفات التي تدعو للاستغراب ونلاحظها في المجتمع، تهوّر بعض أولياء الأمور في سلوكهم وطيشهم خلال فترة الصبا والمراهقة، أما عند استقرارهم خلال الحياة الزوجية فنجدهم يأمرون أبناءهم بالتخلي عن الأمور ذاتها التي كانوا يمارسونها هم، بما يدعو للتناقض والازدواجية في التعامل وتربية الأبناء. فهم خاضوا تجارب في الصغر بعيدة كل البعد عن العادات والقيم السائدة في المجتمع آنذاك، والتي تُعتبر شّاذّة عن قيم مجتمعنا، فقد كانوا يتبنون معتقدات وأفكاراً غريبة لم يتجرأ من سبقهم من الأجيال على اعتناقها أو الخوض فيها، لما تحتمله من جدل ونقاش، فلبعضهم صولات وجولات في الحب والصداقة والمعاشرة، فيها نوع من التقليد الأعمى لأسلوب الحياة الغربي، وصلت حدَّ التأثير على أسلوب حياتهم وأبسط مستلزماتهم المعيشية، كارتدائهم للأزياء والإكسسوارات التي تُعتبر دخيلة وعجيبة عمّا هو تقليدي ودارج في مجتمعاتنا الشرقية، حتى يمتد ذلك ليشمل المأكل والمشرب وغيرها من المسائل اليومية التي تأثّرت بشدة بالنمط الغربي.
لكن، وبمجرد بدء الحياة الزوجية وإنشاء أسرة وإنجاب الأولاد وتربيتهم، حتى تظهر بوضوح قضية (ازدواجية المعايير) المرتبطة بإنكار الأصيل من القيم في عهد الصبا، فما ارتكبه الوالدان من حماقات في المراهقة، لا يقبلان من أبنائهم السير على نهجه، ومبرر هذه الازدواجية، هو حرصهم على مصلحة الأبناء من باب التوجيه والنصح، فهم يدركون أن بعض تجاربهم التي خاضوها في مرحلة العزوبية كان لها عواقب وخيمة، وبرأيهم أن السبيل الوحيد إلى الخلاص هو العودة إلى الثقافة المجتمعية المتجذرة في (اللاوعي أو اللاشعور)_ حسب (فرويد) وهو أهم منطقة سيكولوجية نستطيع بموجبها أن نفهم سلوكياتنا، سواء منها السوية أو الشّاذة، فالشخصية في تصور فرويد بمثابة (جبل الجليد)، فيه ما هو خَفيّ (العقل الباطن) وهو أضخم بكثير ممّا يظهر (العقل الظاهر)، وإدراك العقل الباطن أو اللاوعي هو عملية معالجة الإدراك والذاكرة والتعلّم والفكر واللغة دون وعي بذلك، فمن الطبيعي بعد ذلك أن يلجأ أيّ شاب منا للازدواجية، لارتباطها باللاوعي، ولإدراك تحصيل الفائدة النهائية من التجارب السابقة، وتصحيح المسار بنقل الخبرات للأبناء والمعالجة الخلاّقة للواقع. فبقدر استهجان العقل الواعي للازدواجية، تزداد أهميتها لدى العقل الباطن لتُصبح حلقة للتواصل المستمر بين الماضي والحاضر، ممّا يساهم في مدّ جسور المحبة بين الآباء والأبناء، فهم عاصروا الشباب والمراهقة بمرحلة ما كما سيعاصرها جيل المستقبل الحاضر.