تهميش الريف… لماذا وإلى متى؟

جريدة النور

مادلين جليس:

منذ عقودٍ، حتّى اليوم، مازالت الأرياف السورية، تعاني حالة تهميشٍ حكوميةٍ واضحةٍ، على الرغم من كونها الخزان الزراعي، والغذائي للاقتصاد الوطني، خاصةً أن عيون الحكومة، وأنظارها، باتت متجهةً في الفترات الأخيرة نحو المدن، والمدن الصناعية على وجه الخصوص، بغية دعم الصناعات، وعودة عجلة الإنتاج إلى ما كانت عليه قبل الأزمة السورية.

لا أحد يعترض على ذلك، فكلنا نقف مع تحفيز الاقتصاد الحقيقي، أي الزراعة والصناعة، ولكن بما أننا بلدٌ زراعيٌ بامتياز، أليس من الأولى أن نقدّم الدّعم الأكبر للمناطق الزراعية، وللمزارعين؟؟؟ أليس من واجب الحكومة أن تمدّ يد العون لها، لتكون مساعداً في زيادة الإنتاج الزراعي، وتحسينه، وتحقيق الكفاية من أصنافٍ عديدةٍ تفتقر إليها الأسواق السورية؟؟

أسئلةٌ لا أجوبة لها، فالاهتمام الحكومي بالأرياف يكاد يكون معدوماً، وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ على ذلك، لن يكون أولها أو آخرها ريف مصياف.

جلّ الخدمات الحكومية، أو كلها، لا تصل إلى ريف مصياف، فبعد أن تحسن وضع الكهرباء في الكثير من المناطق والمدن، ونقصت ساعات التقنين، بقي هذا الريف وغيره من الأرياف، يعاني من زيادة ساعات التقنين، ومن انعدام الكهرباء في كثير من الأحيان، وكأنما الأرياف خارج نطاق مسؤولية الحكومة.

ولعلنا لا نخطئ إن قلنا أن أي فرد_ ليس فقط أهل الريف_ يمكنه الاستغناء عن الكهرباء لأيام، لكن لا يستطيع أن يستغني عن المياه، ففي قرية (نيصاف)، على سبيل المثال، تنقطع المياه لمدة خمسة عشر يوماً، بينما تتوفر لساعات قليلة، لا تتجاوز الثلاث أو الأربع.

المفارقة المحزنة في ذلك، أن في القرية نفسها نبعاً غزيراً (نبع التنّور)، وهو يروي سبع قرى، إضافة إلى هذه القرية، أي أن البيت الشعري: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ.. والماء فوق ظهورها محمول، ينطبق تماماً على هذه القرية.

وعندما يشتكي المواطنون للبلدية ويطلبون حلاً، فإن أعضاء البلدية، يتذرّعون بعدم وجود مازوتٍ لتشغيل المحركات، والجميع يعرف أن لديهم من المازوت كمياتٍ غير قليلةٍ، تزيد عن استهلاكهم الشخصي، فأين هي؟؟؟ سؤال ينتظر الإجابة.

بالتواصل مع المدير العام لسادكوب، مصطفى حصوية أكّد أن المخصصات تصل إلى المدن والمناطق بأكملها، حسب طلب تلك المناطق، وأنه يجري يومياً إرسال 3 طلبات من المازوت الزراعي إلى مصياف، والغاب، والقرى التابعة لها، وتوزع بالتنسيق مع الوحدات الإرشادية.

وأكد مدير شركة محروقات أنه مابين 60 إلى 80 ألف ليتر مازوت زراعي، ترسل يومياً إلى منطقة مصياف.

أما ضاهر الضاهر (المسؤول عن تزويد محافظة حماه بالمحروقات) فأكد أن المياه خطٌّ أحمر، وما تطلبه مديرية المياه في المحافظة من محروقات، يُرسَل فوراً، بغية درء أيّ مشكلة أو انقطاع في المياه.

إذاً نعود للنقطة نفسها، إذا كانت المخصصات أو ما تطلبه مديرية المياه يُرسَل فوراً، وإذا كانت البلدية تدّعي عدم وصول المازوت إليها، فهناك حلقة مفقودة، وأحد الأطراف يجافي الحقيقة، فأين المخصصات يا بلدية نيصاف؟

لنترك مشكلة المازوت جانباً، ولننتقل إلى المشكلة الأكبر منها، وهي أن خزان المياه الذي يروي القرية يوجد في المقبرة، أجل في المقبرة، ولكم أن تتخيلوا كيف تكون مياه الشرب.

خاصة وأن الفترات الأخيرة شهدت إصابات عدة، بمرض السرطان في القرية ذاتها، دون أن يدرك أحد إلى الآن السبب الحقيقي وراء ذلك، فلو أنه أُصيبَ واحد أو اثنين أو ثلاثة أو حتى عشرة سنقول (أمر الله)، ولكن أن يتجاوز العدد 50 ويصل إلى 100 إصابة، فهناك حقاً أمر يدعو للريبة والشك!!

يوجد أمر آخر ينبغي الإشارة إليه في موضوع المياه، فهناك الكثير من الزراعات الصيفية تحتاج إلى المياه، بات أهل القرية يعزفون عن زراعتها، فمن أين يستطيعون سقايتها، وهم أحوج إلى نقطة مياه؟ وهنا يمكننا القول إن الزراعة في القرية تتراجع صيفاً بسبب نقص المياه، على الرغم من أن صهاريج نقل المياه موجودة وبكثرة، و(تحت الطلب)، إذاً المياه موجودة، ولا غبار على ذلك، لكن نقل المياه هو المشكلة التي تسبّب عطش أهل القرية.

أنظار الحكومة بعيدة عن الأرياف، (أمر مفروغ منه)، ولكن هل يعقل أن يدها بعيدة أيضاً؟ هل تكون يد الحكومة فاعلة في المدن، تنظم المخالفات، وتعاقب المقصرين والفاسدين، ولكنها لاتصل إلى الأرياف؟

أهالي ريف مصياف كغيرهم من أهالي الأرياف السورية، صمدوا، وقدموا أبناءهم فداءً للوطن، وهم على استعداد ليقدموا كل شبابهم، في سبيل نصرة الوطن، وبقاء علمه شامخاً، لكن ليس من العدل أن يكافأ الريف وأهله بالإهمال والنسيان.

العدد 1188 - 25/02/2026