الأمن و الأمان الاجتمـاعي

د. سنان علي ديب:

يعتبر الأمن والطمأنينة ركيزتين أساسيتين في الحياة الإنسانية بشكل عام ومؤشرين على قوة وصلابة الدول بشكل خاص ، فلا يمكن تصور المجتمع التنموي المستقر والمستقل والمستدام من دونهما ، لان من خلال توفرهما يتمكن الإنسان من الحصول على حاجاته الأساسية ، من مأكل ومشرب وملبس وعمل ومسكن وغيرها من الحاجات الكمالية ، التي تزداد وتتنوع بتوفر الأمن والاستقرار في المجتمع. والعلاقة بين  الأمان الاقتصادي والاجتماعي طردية فالأمان الاقتصادي هو المولد للأمان الاجتماعي يحصن البيت الداخلي ويسد الذرائع والثغرات أمام التربص الخارجي وأدواته المختلفة ،ما وصلنا له كسوريين خاصة وما يحاك لمن ينظر لهم من منظور التبعية والعبودية ، هو نتيجة معقدة ومركبة لمسببات كثيرة، ولكن الكل يعرف أن السبب الاقتصادي هو الأهم لدول الإرهاب دول اللا انتماء إلا للمال ولو على حساب الدماء والبناء والإنسان ،الدول التي هي وريثة الامبريالية القديمة والتي طورتها لضم الأغلبية العالمية لمزرعتها ولتبعيتها ، همها السيطرة الاقتصادية واستمرار المعادلة ،الآخرين سوق لمنتجاتي ومصدر للمواد الأولية ومن يحاول الوصول لتنمية مستقلة يجب أن يدفع الثمن ومن يسعى لسحب جزء من الاقتصاد العالمي بما يعزز تفوقهم سيحارب بكل الوسائل والإمكانات وستقطع عليه كل الطرق وخاصة طرق الطاقة والتي كان الهم الأكبر سابقاً احتكار إنتاجها والسيطرة على منابعها والهم الأكثر اليوم السيطرة على طرق تصديرها والتحكم بها بما يعرقل أي خطر استراتيجي قادم، ومن هنا أصبح الأمان الاقتصادي ضرورة لتوليد الأمان الاجتماعي الضامن والحامي للاستقرار واستمرار التنمية وتقويض كل محاولات التدمير والتهديم والعرقلة وقطع الطرق على القتل تحت يافطات كاذبة باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهنا لا بد من تعريف الأمن الاجتماعي الذي تكفل تأمينه الدولة اتجاه مواطنيها، فالأمن لغة يعني عدم الخوف، واصطلاحاً يعني تهيئة الظروف المناسبة التي تكفل الحياة المستقرة، ومن خلال الأبعاد السياسية والاقتصادية التي تهدف إلى توفير أسباب العيش الكريم وتلبية الحاجات الأساسية. والأمن الاجتماعي يعني توفير الأمن للمواطنين بالقدر الذي يزيد من الشعور بالمواطنة والانتماء والتجذر والعدالة الاجتماعية.. فالأمن الاقتصادي والاجتماعي ركائز للأمن الشامل،وبما أن هذا الأمن مهدد بالانهيار أو بالفقدان لدى شريحة كبيرة من المواطنين اليوم، عبر الفقر أولاً، ثم انخفاض الدخل، والبطالة. ونظراً لكل هذه الأزمات والتهديد ببروز نتائج مخيفة ومرعبة على الصعيد الاجتماعي كزيادة نسبة الانتحار والجرائم الجماعية والفوضى والإرهاب ،ولذلك فان توفير الصحة والتعليم والأمن والاستقرار الأسري وامتلاك قوت اليوم وقلة الوفيات وانعدام الخوف وزيادة الأموال والأنفس  تشير إلى توفر حالة من الأمان الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع ،، وكذلك هنالك تعريف شامل للأمن بأنه هو القدرة التي تتمكن بها الدولة من تأمين انطلاق مصادر قوتها الداخلية والخارجية والاقتصادية والعسكرية ، في شتى المجالات في مواجهة المصادر التي تهددها في الداخل والخارج في السلم والحرب ، مع استمرار الانطلاق المؤمن لتلك القوة في الحاضر والمستقبل تخطيطاً للأهداف المخططة.

يتمثل الأمن على المستوى الفردي في تحقيق قدر من الطمأنينة والسكينة للفرد ، من خلال توفير وسائل السلامة له من الأخطار التي تهدد حياته أو عرضه أو شرفه أو حريته أو ماله ، وبالتالي فان إشباع الحاجات الأساسية على المستوى الفردي يمكن إن تؤدي إلى تحقيق الأمن الاقتصادي للمجتمع والعكس صحيح في حالة عدم إشباع هذه الحاجات الأساسية فان الإفراد يصبحون مهددا اقتصاديا للمجتمع باعتبار إن الإنسان هو الذي يقوم بعمليات الإنتاج والتوزيع والإشراف عليها وهو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي.

إما الأمن على المستوى الجماعي فيتمثل في تحقيق الحماية لحقوق الجماعات المختلفة في المجتمع ورعاية مصالحها في المجالات المختلفة وتوفير النظم والمؤسسات التي تخدم هذه الجماعات

وهناك عدد من النظريات تحدثت عن علاقة الأمن الاقتصادي بالحاجات الأساسية للإنسان وهي ما يعرف بنظريات الحاجات الأساسية ، التي تتمثل في نظرية ماسلو ونظرية موري ونظرية هيرزبرج.فقد أشارت نظرية ماسلو إلى إن الحاجات الأساسية للإنسان تكون في شكل هرم تبدأ من أسفل إلى اعلي ، وبالتالي فان الإنسان يبدأ في إشباع حاجاته من أسفل إلى اعلي إلا إن قليل من الناس من يصل إلى قمة الهرم.فالإنسان في نظر ماسلو يبدأ بإشباع الحاجات الطبيعية ثم الحاجات الأمنية التي تليها الحاجات الاجتماعية ثم الحاجات النفسية وأخيرا تحقيق الذات.وحسب نظرية ماسلو فان إشباع الحاجات الأمنية للإنسان تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية.كما أشارت نظرية موري إلى الحاجات الأساسية للإنسان من منظور الدوافع الأساسية التي تحرك الإنسان وحددتها في عدد من الدوافع هي الجوع ، والجنس وحب الاستطلاع.وبالتالي فان النظرية حاولت الربط بين الاثار المترتبة على انعدام الأمن الاقتصادي والاجتماعي واسبابه.

إما نظرية هيرزبرج اشارت إلى اهمية الحاجات الأساسية للإنسان ، التي تتمثل في الماء والهواء والغذاء ، ويرى هيرزبرج إن هذه الحاجات هي التي تدفع الإنسان لاظهار سلوك معين ، ويمكن القول إن انعدام الماء والغذاء والهواء يمكن إن يؤدي إلى عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الانساني..

…وتختلف الأساليب والطرق لتحقيق الأمن الإجتماعي ومنها: :

1 – الأمن التكافلي أو التأمين الاجتماعي والصحي ،ونقصد بالأمن التكافلي ، تلك السياسة التي ترمي إلى توفير الحماية الاجتماعية للعاملين في مؤسسات الدولة والمجتمع من خلال إتباع نظام استقطاع جزء من مرتبات العاملين وإيداعها في صندوق معين وفقاً لقوانين ولوائح معروفة تمنح للعاملين في حالات ترك العمل أو الفصل من الخدمة أو استيفاء سن المعاش أو العجز أو المرض أو الوفاة. وهذا النظام يعرف بالتأمين الاجتماعي أو فوائد ما بعد الخدمة والذي يرتكز بصورة أساسية على تسخير عمليات التكافل وسط قطاع العاملين لتوفير الحماية والأمن الاجتماعي لهم. أما الأمن التكافلي الصحي هو نظام تكافلي بين المواطنين والدولة حيث يدفع المشترك – حسب دخله – مساهمة شهرية محدودة ليتمتع هو وأفراد أسرته بالخدمات الطبية المتكاملة بغض النظر عن حجم الأسرة وحجم الخدمات المطلوبة والتي تشمل الكشف والفحص المجاني ، ثم الدواء بتكلفة رمزية وهو ما يعرف بالتأمين الصحي.

2 – : مشاريع مكافحة الفقر :

تمثل مشاريع مكافحة الفقر واحدة من أهم الطرق التي تستخدم لتخفيض معدلات الفقر في المجتمع. ويمثل الفقر الخطر الأكبر للمجتمعات المعاصرة وذلك لان الفقر هو أحد مهددات الأمن الاقتصادي ، وبانتشار الفقراء في المجتمع تنتشر الأمراض وسوء التغذية وتكثر الجرائم والسرقات كما تكثر حالة عدم الرضا الاجتماعي والسياسي ، كما يتسبب في عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المجتمع. ولذلك ينظر لمشاريع مكافحة الفقر وكفاءتها في التدخل ، بأنها عامل أساسي في تحقيق الأمن الاقتصادي ، بل الأمن الشامل في المجتمع.

3 – تأمين فرص العمل :

يعتبر العمل مصدراً أساسيا في إشباع الحاجات الأساسية للإنسان ويعمل على تحويل الإنسان من حالة الفقر والجوع والخوف إلى حالة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ، كما أنه هو الوسيلة والمدخل الفاعل في تحقيق القوة الاقتصادية والأمن الاقتصادي ، ولذلك ينظر للمجتمع الذي تسود فيه معدلات مرتفعة من البطالة وغير الناشطين اقتصادياً بأنه مجتمع فقير أو غير منتج أو غير نامي أو متأخر. ولذلك فان ارتفاع معدلات السكان الناشطين اقتصادياً يعكس الوضع الاقتصادي للدولة المعينة ويعكس مدى قدرتها في تحقيق الأمن الاقتصادي.

4 – السياسات الاجتماعية :

تمثل سياسات الرعاية الاجتماعية المتعددة ، التي تستهدف التنمية الاجتماعية ورفع مستويات المعيشة للاسر والمجتمعات المحلية وحماية الشرائح الضعيفة ومكافحة الفقر وغيرها ، تمثل بعداً مهماً من أبعاد تحقيق الأمن الاجتماعي الاقتصادي ، خاصة تلك البرامج والمشاريع التي تتمثل في التمويل الأصغر وبرامج الاسر المنتجة وتشغيل الخريجين ومشاريع استقرار الشباب ورعاية الطلاب ، ومشاريع تحقيق الأمن الاقتصادي للمرأة. ولذلك لابد من توسيع مفهوم الرعاية الاجتماعية ليشمل احتياجات وفئات اخرى في المجتمع وتفعيل برامج التدخل الاجتماعي والاقتصادي الفاعلة التي تحقق عائداً اجتماعياً كبيرا،وخلال الأزمات ينجم مشاكل جديدة متنوعة بحاجة للإحاطة بها وعلاجها ومن التشرد واليتم والإعاقة مغيرها.

5 العدالة في استغلال الثروات الموارد الطبيعية :

يؤدي عدم استغلال الثروات والموارد الطبيعية وعدم العدالة في توزيع عائدتها على المجتمع إلى اضعاف الوضع الاقتصادي للدولة ، ويشير إلى وجود حالة متدنية من القدرة الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية للدولة ولذلك نجد كثير من الدول لم تفكر في استغلال ثرواتها بالرغم من حاجتها الماسة لها كما توجد دول اخرى استغلت بعض ثرواتها ولكنها لم تتمكن من تحقيق العدالة في توزيع العائدات والدخول بصورة مناسبة مما ادى إلى ارتفاع معدلات البطالة ومعدلات الفقر وتدني مستويات المعيشة وارتفاع دعاوي التهميش والخروج عن سلطان الدولة.

إن التغاضي عن المنعكسات السلبية للأمن الاجتماعي تؤدي إلى تهشيم وتحطيم المجتمع وجاهزية لاختراقات وتطورات تؤدي إلى انهياره التام عبر الأمراض الناجمة عن الفقر وازدياد الفساد وقلة الانتماء بسبب الشعور بالتهميش أو التمييز والتمايز الطبقي الحاد وهو ما يستثمر من القوى المعادية وأعداء التنمية والتطور، ففقدان الأمن الاقتصادي وخاصة تفشي ظاهرة البطالة يؤدي إلى لجوء العاطلين إلى المخدرات بأنواعها المختلفة واللجوء إلى الأساليب غير القانونية كالسرقات والسلب والنهب والاحتيال للحصول على الأموال لتلبية احتياجاتهم المختلفة. كما إن البطالة تؤدي إلى حرمان كثير من الأسر من التمتع بمستويات معيشية مناسبة بسبب ارتفاع معدل التبعية الاقتصادية أو الإعالة. وبالتالي فان البطالة هي ببساطة ترك بعض الإمكانيات المتاحة للمجتمع دون استغلال ويعتبر ذلك بمثابة إهدار للموارد. كما للعطالة أثار نفسية واجتماعية مثل عدم تقدير الذات والشعور بالفشل والنقص والشعور بالملل والعدوانية والإحباط…،وهذه الأمراض قد تستثمر من قوى معادية خارجية أو أدوتها الداخلية بحيث تعتبر ركائز لمشاريع لا وطنية تدميرية إن لم تعالج وهو ما يتقاطع مع رؤى بالفكر الاستراتيجي تقول جوهر الأمن القومي لأي مجتمع ولأي أمة ليس الأمن العسكري فقط وإنما الأمن الاقتصادي والغذائي وذلك فان الحروب والصراعات في الغالب تكون نتيجة للتدهور التنموي .

وبالتالي هنا نقول لا مناص من دور الدولة التنموي (الاقتصادي والاجتماعي)، هذا الدور  الذي تؤديه في المجتمعات المتقدمة في الغرب ولم تتنازل عنه أو تتراجع،  ومن دون هذا الدور التنموي  الذي لا يمكن أن تقوم به إلا الدولة -سيزيد الأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي تدهورا،وهكذا فتحقيق الأمان الاجتماعي غاية وهدف بحاجة لوسائل وأدوات وهذه الوسائل والأدوات بحاجة لمؤسسات مختصة مهمتها الوقاية والتوجيه فلا يظن أحد أن انتهاء الأعمال العسكرية في مواجهة الإرهاب نهاية المطاف وإنما القادم نتيجة الانعكاسات الاجتماعية للأزمة من فقر ونزوح وتفكك أسري ويتم وبطالة وهجرة ويتم وإعاقة وتشرد وأمراض أخرى خطيرة كالإدمان والدعارة وكذلك تغلغل ثقافات عدائية ومنها بذور تفرقات يعمل لها وقد تخترق جمعيات وأحزاب وتشكيلات لتكريسها وخاصة عبر ما سمي المجتمع المدني والذي لم يكن الغرب لينشأه احتراما لإنسانية الإنسان لأن هذا الغرب أثبت من خلال ما فعله بسورية أنه أبعد ما يكون عن الإنسانية وعن الديمقراطية وأنه يفعل أي شيء من أجل مصالحه ومنه تسخير جزء من هذه المؤسسات لبث السموم وفبركة القصص وتكريس التفتت والتفرقة بأدوات قذرة صغيرة همها الربح والمال ولو اضطرت أن تكون عميلة ومأجورة وهذا يتطلب العمل على رعاية جمعياتنا ومنظماتنا بما تحقق الغايات وتحقق الأمن الوطني وعدم الخوض في تعميم أي ظاهرة وأسهل الحلول منعها أو إلغائها ،إن التصدي لهذه الأمراض هو مشروع وطن يتطلب تعاون الجميع عبر خطط واضحة لتحقيق الأهداف التي تعود بسورية وشعبها إلى مرتبة الرقي والسلام والأمان وهو ما يجب أن يكون عبر تقوية دور المؤسسات وتفعيل المحاسبة ولعب كل مؤسسة ما يلقى على عاتقها كالمؤسسات الإعلامية والتعليمية والدينية ومؤسسة الأسرة وتفعيل دور المنظمات والأحزاب لتكون تأطيرات معبأة بأسلوب وطني حضاري راقي يقصر المسافات والتكاليف ويعيد القطار الوطني لسكته الصحيحة ،  ركائز لإعادة البناء الإنساني لأن الإنسان هو الغاية وهو الأداة وان يتم التركيز على كل من الشباب والمرأة السورية وفق برامج بناءة فاعلة لا ديكورات إعلامية ، وبالتالي تقويض أي أبعاد تخريبية أو لا وطنية لأي حالات تتحول لظواهر عبر الاستيعاب والعمل المنظم بتقوية الأدوات والأساليب التي تفرغها من محتواها وتبني أجيال وطنية عقلانية تقرأ وتحلل وتعمل وتعيد الروحية والروح للنسيج الوطني مسؤولية المؤسسات السورية بالمتابعة والتوجيه والإشراف وعدم التعامل بسلبية مطلقة تعميمية تؤدي للمساواة بين الخطأ والصح وتعمل فراغاً يملأ بما لا يناسب البناء الوطني والإنساني.

العدد 1195 - 23/04/2026