التواصل غير العنيف «المتعاطف»
إن عملية الاتصال ظاهرة إنسانية اجتماعية، وحاجة أساسية للفرد وللجماعة. ويرى أندرسون ونوتال (Anderson & Nuttall, 1987) أن الاتصال من الحاجات الاجتماعية والنفسية الهامة التي يصعب على الإنسان الاستغناء عنها، ذلك أن الاتصال يحقق للإنسان الحاجة إلى الانتماء، والحاجة إلى التقدير، والحاجة إلى المعلومات، والحاجة إلى تحقيق الذات.
كما تشير بعض الأبحاث إلى أن معظم المشكلات الزوجية والأسرية والاجتماعية تنشأ من سوء الاتصال أو الاتصال غير الفعّال بين الأفراد، كما تشير إلى أن تطبيق مهارات الاتصال، يحتاج إلى تمارين وتكرار، وتطبيق التمارين في مواقف الحياة المختلفة (Okun, 1991). و مع زيادة حالات عدم الاستقرار الأسري وزيادة العنف وسوء الفهم في العلاقات ، فإن أسلوب التواصل غير العنيف هو ما نحتاج إليه اليوم.
لقد تساءل الدكتور مارشال روزنبرغ، وهو طبيب نفسي و مؤسس مجتمع اللا عنف non-violent communication ، وهو عبارة عن نظام للتواصل مبني على فرضية أن المشاعر السلبية تنجم عن عدم تلبية الحاجات. يقول: (ما الذي يتسبب في فصلنا عن طبيعتنا العطوفة الشفوقة الرحيمة، ويجعلنا نتصرف بعنف واستغلال؟ وعلى النقيض من ذلك، ما الذي يجعل بعض الناس يظلون على صلة بتلك الطبيعة الشفوقة الرحيمة، رغم تعرضهم لأشد الظروف مشقة وقسوة؟). ثم استطاع بعد ذلك تعيين طريقة محددة للتواصل- أي التحدث والاستماع- تجعلنا نعطي من القلب، وأطلق على هذه الطريقة مصطلح (التواصل غير العنيف) (Nonviolent Communication)، مستخدماً مصطلح اللاعنف (Nonviolence)
كما استخدمه غاندي، للإشارة إلى حالتنا الطبيعية من التعاطف، التي تتبدى عندما يصبح القلب خالياً من العنف. فبينما قد لا نعتبر أن الطريقة التي نتكلم بها ربما تكون (عنيفة) فإن كلماتنا غالباً ما تؤدي إلى الجرح والألم، سواء لأنفسنا أو للآخرين. وفي بعض المجتمعات، تعرف طريقة التواصل غير العنيف التي أصفها هنا أيضاً باسم (التواصل الرحيم). (Compassionate Communication).
يقول مارشال روزنبرغ: (كُن دقيقاً حول مشاعر الآخرين واحتياجاتهم)!
إنّ فهم مشاعر الأشخاص والحاجات الّتي تقودهم يسمح لك بالتقمّص العاطفي بدلاً من القتال، وبالنتيجة سوف يشعرون أنهم مفهومون وسيتلاشى غضبهم مبتعداً. يطلق على مقاربة روزنبرغ (الاتصال المتعاطف) أو (الاتصال غير العنيف) وتؤدي الكلمات على الأغلب إلى خلق شعور بالألم والضرر، لكن الجدول الإرشادي للاتصال غير العنيف يوجهنا إلى إعادة رسم الإطار الذي يرتب الطريقة التي نعبر فيها عن أنفسنا ونصغي في الوقت نفسه للآخر. وبدلاً من أن يكون رد الفعل آلياً، ينبغي أن تستند كلماتنا الواعية إلى أسس قوية من الوعي ومعرفة ما ندركه وما نشعر به وما نرغب به أو نريده وتحديده .
توجد هيئات تعمل على التقريب بين الزوجين في حال الخلاف وتباعد المواقف التي تؤدي بالزوجين إلى مرحلة الطلاق، والخلاف الحاد، وذلك بالتواصل غير العنيف (المتعاطف)، ومثال تلك المؤسسات مركز الاتصالات غير العنيفة في لندن الذي يعمل فيه ما لا يقل عن 200 مدربة ومدرب، وهؤلاء متخصصون في علاج المشكلات الخاصة بالعنف اللفظي والبدني في أنحاء العالم. في جوهر الاتصالات غير العنيفة يبرز نموذج الخطوات الأربع التالية:
1- انتبه إلى وضعك بموضوعية ودون إعطاء أحكام.
2- اشعر بالعواطف التي يكتنفها كل موقف.
3- حدّد احتياجاتك.
4- عبر عن احتياجاتك بدقة وبوضوح.
ويعرف هذا النموذج بالكلمات التالية: الملاحظة والمشاعر والاحتياجات والالتماس.
– الملاحظة: صف ما تراه أو تسمعه دون إضافة أية تفسيرات. وبدلاً من قول إن مزاجها مشحون بالغضب، قل بينك وبين نفسك إنها ترمي نفسها على الأرض باكية وهي ترفس بقدميها. وفي حال كنت تشير إلى ما يقوله شخص، يفضّل أن تقتبس منه أو منها كلماتها بدقة بدلاً من إعادة صياغة جملها أو كلماتها.
– الشعور: عبر عن عواطفك تجاه ما يفعله الآخر بدلاً من الحكم عليه. وسترى أن قول (أشعر بالضيق) هي عبارة مناسبة أكثر من (أشعر بأنني مستغَلِة) وهي عبارة تتضمن تفسيرًا لسلوك الطرف الآخر. وتجنب بشكل عام القول إنني أشعر كما لو…. أو أشعر أنني، والحقيقة فإن الكلمات التي تعقب ستصبح أفكاراً لا مشاعر.
– الحاجة: المشاعر في عمومها ناتجة عن احتياجات، وهي مشاعر موجودة في كل مكان ومستمرة وليست معتمدة على أشخاص بعينهم محددين. تحدث عن احتياجاتك بدلاً من إلقاء اللوم على تصرفات الشخص الآخر. وعلى سبيل المثال يمكنك القول (أشعر بالضيق لأنني أحتاج إلى المساندة)، بدلاً من القول (أشعر بالضيق لأنك لم تغسل الأطباق).
– الالتماس: اطرح سؤالك بوضوح وبجدية إزاء ما تحتاجه بدلاً من الرفض وإبداء عدم الرغبة في الحصول على أشياء مثل: (أليست لديك رغبة في العودة إلى البيت في الموعد المتفق عليه؟)، وقارن مع (هل أنت متأكد من أنك ستتأخر الليلة؟).
ويمكن استخدام النموذج للمساعدة على إيجاد حلول لكل شيء من سوء الفهم بين الزوجين إلى صراعات القوى في مكان العمل، ويشمل ذلك أيضا المفاوضات السياسية.
وأخيراً، ولأن (الكلمات نوافذ أو جدران) فقد كتب راث بيبيرماير، عن هذه الكلمات الجميلة التالية، التي تحاكي فلسفة التواصل المتعاطف:
أشعر أنني مسجون بكلماتك
بأنك قد أصدرت عليَ حكمك، وأبعدتني
ولكن قبل أن أذهب، أحتاج إلى أن أعرف
هل هذا هو ما قصدت قوله؟
قبل أن أدافع عن نفسي
قبل أن أتكلم مجروحاً أو خائفاً
قبل أن أشيد هذا الجدار من الكلمات
أخبرني، هل سمعتك حقاً؟
إن الكلمات نوافذ، أو جدران
تقيدنا، أو تحررنا
عندما أتحدث وعندما أصغي
أجعل نور الحب يشرق بداخلي
ثمة أشياء أحتاج إلى قولها
أشياء تعني لي الكثير
ولو أن كلماتي لا تعبر عني بوضوح
فهلاّ ساعدتني على أن أتحرر؟
إذا بدا أني أخذلك
إذا شعرت أنني لا أبالي بك
فحاول أن تصغي لكلماتي
إلى المشاعر التي نتشاركها!