الخدمة الوطنية
يمر على الأمم الحية مراحل زمنية قاسية وعصيبة، يشعر الإنسان فيها أنه ومجتمعه أصبح خارج التطور الحضاري، بل أحياناً يشعر أنه من الصعب عليه وعلى مجتمعه مواكبة التطور العلمي (الفكري والتكنولوجي) لأقرانهم من الأمم الأخرى.
وأمام هذا المشهد، لابد من التفكير العميق الاستراتيجي وطنياً، لولادة أفكار استراتيجية، تساهم في ارتفاع منسوب السرعة، لاجتياز مطبات ومخلفات الزمن الرديء. وإن التفكير في هذا المجال لابد أن يلحظ استراتيجياً: مشاركة جميع مواطني الأمة (أو أكبر عدد ممكن منهم) في المساهمة الوطنية لزيادة منسوب التنمية الوطنية الكبرى بأشكالها – الفكرية والعلمية وإعادة بناء الحجر.
وهذه المشاركة من المواطنين هي تأكيد وترسيخ لوطنيتهم، وبالتالي هي جسر عبور إلى اكتساب صفة الوطنية اكتساباً عملياً واضحاً. وسواء كانت هذه المشاركات طوعية اختيارية أو إلزامية دستورية، فإنها تأخذ التوصيف نفسه، لأن الهدف والنتيجة – في كلا النوعين من المشاركة – متطابقين.
إن قيام الجيش الجزائري بعد الاستقلال والانتهاء من حرب التحرير العسكرية الوطنية، بحملة تشجير كبيرة، جعل البعد التنموي يضاف إلى وظائف الخدمة العسكرية الوطنية، وقد جرى تحويل مساحات شاسعة جرداء إلى مساحات خضراء، تبقى المثل الساطع للأجيال اللاحقة.كما أن اليابان، بعد الحرب العالمية الثانية ومآسيها على الإمبراطورية اليابانية القوية، لم تتوقف عند الخسارة، لأن الشعب الياباني مازال يقدم للوطن (أجر ساعة عمل يومي عدا الضرائب) هدايا كثيرة، ليس آخرها حين تقدم المهندسون المتقاعدون بمبادرة يطلبون فيها السماح لهم بمعالجة المفاعل الذري للطاقة الكهربائية الذي سبب مآسي كبيرة، وكانت رغبتهم نابعة من كونهم شبعوا من حياتهم (فوق 70 سنة) ويرغبون بعدم تعريض المهندسين من صغار السن لأي خطر إشعاعي على حياتهم!!
وفي إحدى الدول، لا يحق للشخص تبوؤ الوظيفة العامة إلا إذا نفذ الخدمة الإلزامية وهذا جدير بالاهتمام والاحترام.. لذلك كله ولسواه فإن المجتمع السوري الذي بنى حضارات إنسانية على مدى التاريخ، يجب أن يجترح أفكاراً تساهم في سرعة أداء الاستراتيجية العلمية والفكرية والاقتصادية التنموية.. إحدى هذه الأفكار هي أن تكون الخدمة الإلزامية لمدة سنتين ونصف السنة (كما كان من قبل 10 سنوات)، تقسم إلى قسمين (قسم خدمة إلزامية عسكرية وقسم خدمة تنموية) يكون للشخص حسب اختصاصه خدمة تنموية (تدريس في المدارس، أو تشجير زراعي أو مساهمة بالبناء والمشاريع وغيرها من الأعمال التنموية) مما يؤدي إلى توفير كبير على الخزينة العامة، عوضاً عن دفع رواتب ضخمة، إضافة إلى جعله باباً لاكتساب الخبرة بعمله (stage – experience), والانصهار الوطني التنموي، جاعلاً الخدمة الإلزامية تتغير تسميتها لتصبح: الخدمة الوطنية.