أطفال سورية في مواجهة عواصف متعددة

ما لاقاه ويُلاقيه أطفال سورية لاسيما هذه الأيام عارٌ يندى له جبين البشرية، خاصة العالم المتحضر الذي نادى بحقوق الإنسان عامة، والطفل خاصة، حينما أفرد له اتفاقية خاصة تُعنى بحقوقه، وواجبات الحكومات والمجتمعات تجاهه، في الوقت الذي يموت فيه كل يوم عدد غير قليل من أولئك الأطفال بسبب الجوع والبرد، لاسيما أثناء مواجهتهم لعاصفة جوية تُعتبر من أعتى العواصف التي تشهدها المنطقة منذ عقود. فالمشاهد التي نقلتها وسائل الإعلام وضعتنا جميعاً أمام محاكمة وجدانية مقيّدة وعاجزة عن فعل أيّ شيء سوى الحسرة والألم والقهر على أطفال يفتقدون أدنى شروط الحياة، في زمن الحضارة والعولمة التي تجاوزت كل الحدود، لتصنع من مآسيهم مادة إعلامية- إخبارية تصدّرت الأخبار وصفحات الجرائد العالمية، مشكّلة سبقاً صحفياً قد يفوز من خلاله بجوائز عالمية لا ينال منها أولئك الأطفال المشردون سوى أنهم المحور الأساس، دون أن يحرّك هذا الوضع الضمير الإنساني، باتجاه إيجاد حلٍّ لتلك الأزمة المستعصية التي تنهش بالبلاد والعباد على مدى ثلاثة أعوام دون طائل، ودون الوصول إلى نتيجة تأخذ بيد أطفال سورية لتعيدهم إلى بيوتهم ومدارسهم، أو تعيد إليهم بعضاً من طفولتهم المهدورة على أعتاب حرب بسط النفوذ، مهما كلّفت من ثمن كان الأطفال والنساء وقودها الدائم، على مدار تلك السنوات. ورغم أنه أُعلن عن وصول العاصفة الثلجية إلى المنطقة قبل أيام من حدوثها، لم يتدارك أحد الوضع، ولا جرت تهيئة المخيمات بما يدفع عن الأطفال البرد والموت. وقد تزامن هذا الواقع مع إصدار اليونسيف بتاريخ 14/12/2013 تقريراً يقول بوجود أكثر من ثلاثة ملايين طفل سوري خارج مظلة التعليم، بحكم الحرب والتهجير والنزوح واللجوء، وبحكم خروج كثير من المدارس من الخدمة بسبب العمليات العسكرية من جهة، وإيواء النازحين في بعضها من جهة أخرى، إضافة إلى عودة انتشار العديد من الأمراض التي تصيب الأطفال كالشلل والجدري والسل وما شابه، وهذا يتطلب الإسراع في تأمين جرعات اللقاح للأطفال في سن ما قبل الخامسة، والتي تلاشت بسبب تخريب المراكز الصحية، وعدم القدرة على إيصال هذه اللقاحات إلى كل المناطق، إن وجدت، إضافة إلى صمت منظمات الصحة العالمية عمّا يتعرض له أطفال سورية إلى حين انتشار الوباء، لتقوم هذه المنظمات بإعداد التقارير اللازمة إعلامياً ومناشدة طرفي النزاع من أجل المساعدة في إيصال المستلزمات الطبية ما أمكن، وذلك لرفع العتب واللوم عنها رغم علمها أنه، في أوضاع مشابهة لما يجري في سورية، لا بدّ أن يكون الوضع على هذا النحو، لكنها لم تتخذ خطوات استباقية وقائية.

يجري كل هذا والعالم يتفرّج دون أن يرفّ له جفن، بل بالعكس ما زال تأجيل مؤتمر جنيف لحل الأزمة في سورية سيّد الموقف رغم ضآلة ما قد يأتي به هذا المؤتمر، إضافة إلى عجز المنظمات الدولية والإنسانية عن إيصال المساعدات للسوريين العالقين ما بين الحرب والنزوح واللجوء، وما بين وعود هلامية لم تعد الأمل المنشود لهم في ظل أوضاع معيشية لا إنسانية، لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، بل بقي السوريون وأطفالهم في حالة استجداء دائم، وبحث أزلي عمّا يبقيهم على قيد بعض كرامة وإنسانية، في بلدان فتحنا لمواطنيها أبواب البيوت والقلوب مشرّعة حينما تعرض أهلها لأزمات وحروب مشابهة، ولم نُقم خيمة واحدة على الحدود وفي العراء بمواجهة القرّ والحر.

كما أنه يجري أمام أعين المنظمات المحلية التي ترفع شعارات الدفاع عن الطفولة في سورية، في الوقت الذي لم تستطع القيام بواجباتها المطلوبة حتى اللحظة بما يكفي لمواجهة الواقع المأساوي لأولئك الأطفال، لا في الداخل ولا في الخارج، وذلك بذريعة ضعف الإمكانات من جهة ، ومن جهة أخرى بحكم تقييد عملها وحركتها المسموح بها داخلياً، وربما بسبب عدم جديتها في العمل على هذا المسار منذ اندلاع شرارة الحرب في سورية، فقد اكتفى معظم هذه المنظمات بالإدانة والبيانات المدبّجة بكثير من مفردات لا تغني ولا تسمن، في حين نرى بعض الجمعيات الأهلية والخيرية تعمل بشكل أفضل ومثمر بتقديم بعض المساعدات العينية، على ضآلتها، وكذلك تقديم المساعدات في مجال التدريس لإبقاء الطفل على تواصل مع العلم ولو في حدوده الدنيا. ولكن، ولكي نكون منصفين إلى حدٍّ ما، علينا القول إن بعض الجهات تُعرقل جهود بعض تلك المنظمات ونشاطها من باب المحافظة على الخصوصية والأمن العام، وهذا ما يضر بمصلحة الأطفال ومستقبلهم، لاسيما أن هذه المنظمات لا تملك أجندة سياسية، بل هي مجرد جهود ونشاطات إنسانية تُقدّم لأطفال هم بحاجة ماسة إلى تلك المساعدات والمعونات.

ألا يستدعي هذا الوضع القاسي والظالم الذي يًعانيه أطفال سورية من طرفي النزاع والحرب أن يتوقفوا ولو لبرهة، ويحاكموا أنفسهم عمّا ستؤول إليه الأوضاع في سورية مستقبلاً، إن بقي أطفالها على هذه الحالة من الجوع والتشرد والحرمان من منازل تأويهم وطبابة تقيهم شرّ الأوبئة الفتّاكة، ومدارس تحفل بميولهم وبراءتهم وحب الاستكشاف والتعلّم لديهم..؟

ألا يستدعي هذا الوضع من المجتمع الدولي الإسراع في إيجاد حل عادل وسريع للمسألة السورية، يُنهي هذه الحرب ويُعيد للأطفال الأمان والسلام والحياة الكريمة، وفق مبادئ إعلان حقوق الطفل واتفاقية الطفل الدولية التي ما وضعت إلاّ من أجل طفولة آمنة تعزز وترفد مستقبل البشرية بالعلم والأمن والعطاء..؟

ألا يستدعي الوضع المأساوي لأطفالنا أن نُحيّد كل الأمور والقضايا جانباً، من أجل تقديم بعض العون والمساعدة لمن يشكلون مستقبل البلاد الذي سيكون مظلماً إن تركناهم وحيدين يواجهون كل تلك العواصف والمآسي..؟

العدد 1194 - 15/04/2026