الإدمان الداخلي والخارجي… بالوثائق وتجاربي بالحياة

ولدت في مدينة صفد شمالي فلسطين، وكان بيتنا على سفح جبل كنعان، وكانت الأمهات، آنذاك يغلين (جوزة) نبات (الخشخاش) لتهدئة أطفالهن ودفعهم إلى النوم. ويبدو أن هذه الجوزات كانت متفاوتة في شدة تخديرها، فكانت تصل بالطفل إما إلى النوم أو إلى الموت، وإذا مات الطفل كنّ يعزين الموت إلى (عزرائيل). وبسبب هذه الخرافات، يلجأ الآباء إلى تسمية الأبناء باسم (ديب أو نمر) اعتقاداً تراثياً، أو هو في نظري تهدئة نفسية.

وأمي من أصول مغربية شديدة التدّين، وكلّفت أحد المغاربة بكتابة حجاب لشفاء أبي من مرض مزمن في الدماغ عام 1945م، ولكني فتحت الحجاب المغلق بالشمع، فوجدت فيه اسم أبي واسم أمه، وفيه كلام بذيء يصعب نشره.

بعد سقوط صفد انتقلنا إلى بنت جبيل، عام ،1948 ثم انتقلنا إلى بيت النجّادة في بيروت، وهناك حاولوا إغوائي بسيجارة حشيش، ورفضت عرضهم استناداً إلى خبراتي السابقة لأنني لا أدخن أصلاً.

 الإدمان على شيء هو دوام العمل به والمواظبة عليه، ويعود الإدمان الداخلي إلى هرمون دماغي يسمى الدوبامين، ينشط في مرحلة الشباب ويعطي الشباب لذة. وهو تجسيد لنظرية (التعزيز الإيجابي) التي تُدرّس في كليات التربية.

والإدمان الخارجي، اصطفيت من أنواعه أخطرها، وهو المخدرات، المحرمة دولياً، وكذلك الإدمانات الأخرى.

وعرّف الدكتور فاخر عاقل الإدمان بأنه: حالة كون المخلوق معتمداً جسدياً على مخدر، وبصورة عامة، فالإدمان هو ميلٌ للتسامح إزاء مخدر ما، كما يعني الاعتماد الجسدي والنفسي عليه، ويبرز أعراضاً معينة حين يتوقف المخدر.

 

المقدمة

 ازدادت الإدمانات في هذا العصر، وكشفت الأبحاث العلمية والمعلومات إدمانات جديدة داخلية وخارجية. وهذه الدراسة مستقاة من مصادر موثوقة ومن خبراتي الشخصية.

1- تعريف الإدمان الداخلي:

كشفت البحوث الحيوية عن هرمونات داخلية يفرزها الدماغ وتسبب اللذة، ومنها هرمون الدوبامين الذي يفسر السلوك الجذاب في النظرية السلوكية والمعرفية في علم النفس، ويسميه البعض (أفيون الدماغ). وهو يفيد في التعلم، والطمأنينة، والتخفيف من مضار أمراض الشيخوخة (كالزهايمر: خرف الشيخوخة) ويعالج ارتعاش الأطراف (مرض باركنسون)، حسبما كتب في  صحيفة (الحياة) اللندنية الدكتور بشر الجراية، وهو عالم مبدع من تونس، نشر أبحاثه في كندا والولايات المتحدة.

2- تعريف الإدمان الخارجي:

ينشأ هذا الإدمان من تكرار تعاطي المخدرات، والقمار، وبعض الممارسات المرافقة للتفكير، ويعدّ المدمن على المخدرات مريضاً، أما التاجر الذي يروّجه فيعدّ مجرماً. وكانت (نانسي ريغن) زوجة رئيس الولايات المتحدة السابق تدعو المراهقين في المدارس والجامعات إلى رفض عروض تجار المخدرات، مما يقيهم من بدء ممارسة التجربة الخطرة، وخاصة أن المراهقين يميلون عادة إلى التجربة، إذا كانوا غير واعين بتداعياتها.

وقد أشارت مجلة (تايم) الأمريكية، قيل عدة أعوام، إلى أنواع كثيرة من الإدمانات، مثل الجنس والمخدرات، وشرب الخمر، والتدخين، وذكرت كيف اكتشفوا تركيبه الكيماوي وإمكانات علاجه.

3- التدخين:

زادت مخاطر التدخين لدى المدمنين، وأهمها سرطان الرئتين، ولذلك يمنع التدخين حسب قوانين كثير من الدول، في الأماكن المزدحمة، مثل السيارات ووسائل المواصلات الأخرى، ولا تقتصر المخاطر والأضرار على المدخنين، بل تشمل أيضاً غير المدخنين. وتستخدم أجهزة كاشفة تزمّر لدخان السجائر من الدخان المنبعث. ويعد دخان النرجيلة (الأرجيلة) أكثر خطورة من دخان السجاير المزودة بفلتر يصفّي النيكوتين، وكذلك تدخين السيكار، والغليون.

ومن مشاهداتي اليومية أن كثيراً من المدمنين على التدخين لا يأبهون بالتداعيات الخطيرة، مثل سرطان الرئة لعامة الناس، ويحذر المصابون بالسكري من مخاطره إضافة إلى أخطاره إذ تصل إلى الموت المحتم. وأعرف أطباء يدخنون السيكار، وأصيبوا بالسرطان وانتهى أجلهم.

4- إدمان المخدرات:

أشار عبد الله المصمودي في صحيفة (الاتحاد) الإماراتية إلى المخدرات الشاملة، والخدمات التي تقدمها الشرطة لتوعية الأفراد والأسر بمخاطره على الفرد والأسرة والمجتمع، ومما تقدمه من خدمات وجوائز بعد التأكد من توبة المدمن، وهذا يحميه من ارتكاب الجرائم كالسرقة وقتل الآخرين. ومن خبراتي أن الوالد قتل ابنه وسلّم نفسه للشرطة، في القاهرة، في أعوام السبعينيات من القرن الماضي.

5- إدمانات الكحول (الخمرة):

ومنه أنواع متعددة بحسب نسبة الكحول والتعتيق، وإذا كان القليل منه مفيداً لتنظيف الأوعية الدموية من الشحوم المترسبة فيها، فإن الإدمان عليه قد يتلف خلايا الكبد، ويزيد من أمراض القلب، وتركه الفجائي قد يسبب تغيّر دور القلب كمضخة ماصّة كابسة، فتتجمع السوائل في البطن، مما يتطلب بزله للتخلص من ضغط هذه السوائل على القلب.

وأقل نسبة للكحول هي في البيرة والنبيذ، ولكن الويسكي والفودكا والعرق مخاطرها كبيرة في حالة الإدمان، لذلك يمنع السائقون من قيادة السيارات، عندما تكون نسبة الخمر عالية. وتعرف لدى السائقين بالنفخ في بالون خاص يتغير لونه، ويعاقب السائق لتعاطيه، بعد أن يسبب حوادث من السرعة أو الإهمال.

وقد يؤدي إدمان الخمور إلى مشاكل اجتماعية وزيادة العدوان، ويسبب صداعاً شديداً لدى المفرط في تناوله. ومن خبراتي أن أحد أقربائي كان مدمناً كحولياً، وكانت السوائل تتجمع ببطنه، فيقوم الطبيب ببزل السوائل، وسرعان ما توفي بعد ذلك.

6- إدمان الحاسوب:

تكثر في الحاسوب ألعاب الكترونية، منها ألعاب عدوانية، وأخرى تقلد ألعاب الشطرنج، وألعاب ورق (الشدّة). ويختلف الإدمان من شخص إلى آخر، حسب عدد الساعات التي يجلس فيها أمام شاشة الحاسوب وقدرته على التحكم ببرامجه، ولكن إدمان الحاسوب مع الهاتف النقال والبرامج الجديدة في كل منهما مكّن الإنسان من ارتياد عوالم جديدة باستخدام الصوت والصورة، والوسائط المتعددة والرقن بالكتابة.. وقد أفاد هذا التطور حتى المعاقين سمعياً أو بصرياً والمصابين بشلل ما، مما حسّن لهم التعلم والتعليم.

7- إدمان القمار:

ويترسخ بالمواظبة على، ألعاب القمار، وهي محرّمة دينياً، وممنوعة قانونياً. إن اليانصيب وآلات القمار تجعل اللاعب يربح قليلاً ويخسر كثيراً، وتعرض السينما أفلاماً تبيّن أنه كثيراً ما ينتحر المقامرون. وفي مركز لاس فيغاس في الولايات المتحدة أشكال متعددة من القمار، وعندما زرت المركز، ذُكر لنا أن أحد أمراء دول الخليج خسر 12 مليون دولار، وخرج ضاحكاً، ولكن مركز لاس فيغاس لا يذكر المنتحرين، بسبب خسارتهم، وهو يتكتم على حوادثها حرصاً على استمرار تدفق أرباحه.

 

خاتمة

استعرضت بعض الإدمانات الشائعة، وإذا نظرنا إلى الإدمان، بوصفه عادة، فهذه تختلف من شخص إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى.

د. فخر الدين القلا

المراجع:

1- بشر الجراية، الدوبامين، ،2006 صحيفة (الحياة) اللندنية 16/1/2009.

2-فاخر عاقل: معجم علم النفس، دار الرائد العربي، 1988م، ص12.

3- هيام خميس، المربي فخر الدين القلا – دار الوثائق، دمشق.

4-  مجلة (التايم) الأمريكية، منذ أكثر عشر سنوات (46-26).

5- عبد الله المصمودي، صحيفة ( الاتحاد) الإمارات العربية المتحدة.

6- الموسوعة العربية الإلكترونية.

7- مذكراتي، محدودة النشر.

العدد 1194 - 15/04/2026