الرأسمالية والهوة بين الأغنياء ومتوسطي الحال والفقراء
في 577 صفحة، اجتاح كتاب الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي المشهد الثقافي الأمريكي، إذ نفدت من المكتبات في أيام قليلة الطبعة الأولى، من ترجمة كتابه (الرأسمال في القرن الحادي والعشرين) إلى الإنكليزية. فيما تصدّر الكتاب جدول صحيفة (نيويورك تايمز) لأكثر الكتب مبيعاً بعدما حلّ في المركز السادس عشر، وهو مركز مرتفع بالنسبة إلى كتاب أكاديمي.
وشكّل الكتاب أكبر مساهمة في النقاش المندلع بين الاقتصاديين الغربيين حول انعدام المساواة في مجتمعاتهم، وفيه يعرض بيكيتي أشكال تراكم الثروة بين الطبقات المختلفة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم. ويستخلص أن الثروة تتراكم لدى أصحاب رأس المال أكثر منها في يد العاملين. ويعتبر أن استثناء حصل على أثر الحربين الكونيتين اللتين أدتا إلى تدمير ثروات بعض الرأسماليين الكبار، فيما ساهم النمو السكاني والاقتصادي الاستثنائي الذي تلا الحرب العالمية الثانية واستمر ثلاثين سنة، أطلق عليها الفرنسيون لقب (الثلاثين المجيدة) في إنعاش طبقة العاملين. كما ساهم في توسيع الطبقة الوسطى إلى حجم لم تكن الدول الغربية شهدت مثله. لكن فور انتهاء مجهود إعادة الإعمار، عاد رأس المال ليتركز في يد قلة قليلة، فيما راحت الطبقة الوسطى في الدول الغربية تضمر رويداً رويداً.
ويرى الاقتصادي الفرنسي، أن اتساع الفجوة بين الأغنياء من جهة ومتوسطي الدخل والفقراء من جهة أخرى، سيمضي في الاتساع مستقبلاً. ويضرب بيكيتي مثالاً على ذلك بالقول إن عائدات الفوائد على الرأسمال هي 4 أو 5 في المئة في أقل تقدير، فيما يتراوح النمو الاقتصادي في معظم الدول الغربية بين واحد و2 في المئة، ما يعني أن أصحاب الأموال يجنون من فوائدها نسباً أكبر من نسب النمو الاقتصادي العام، ما يعني ازدياد ثرواتهم أكثر من أقرانهم في الطبقات الأخرى، ما يؤدي إلى اتساع الهوة بين الطبقتين.
ولطالما لعب التفاوت الضريبي دوراً محورياً في النقاش الاقتصادي خصوصاً في الجولة الأخيرة للانتخابات الرئاسية عام ،2012 عندما هاجم الرئيس باراك أوباما وحملته، منافسه ميت رومني، متهمين الأخير بتسديد نسبة أقل من الضرائب من المواطن العادي. وكان الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان خفض الضرائب على الفوائد وعائدات الأسهم المالية، ما يعني أن ثاني أغنى رجل في أمريكا الملياردير وارن بافيت، بات يسدد نسبة ضرائبية أقل من السكرتيرة العاملة لديه، لأن ضرائب بافيت مبنية على العائدات فيما ضرائب السكرتيرة مبنية على الراتب.
وحاول أوباما أخيراً إقرار قانون يرفع الضرائب على العائدات المالية، أطلق عليه اسم (قانون بافيت). لكن الرئيس الأمريكي كان يدرك استحالة المصادقة على القانون في الكونغرس الذي تسيطر عليه غالبية من الحزب الجمهوري، ما يعني أن خطوة أوباما كانت نوعاً ما من قبيل الشعبوية مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
بيكيتي، البالغ من العمر 42 عاماً، يحاول أن يفنّد في كتابه مقولة أن (الثروة المالية هي كالماء التي ترفع كل الزوارق)، ويعرّج أيضاً على النفوذ السياسي لرأس المال، فيعتبر أنه كما يعود المال بريع أكبر على أصحابه من عائدات العمل، كذلك للمال تأثير أكبر في السياسة والقرارات الحكومية من مجموع الأصوات التي يمكن لغير الأغنياء التأثير بها على هذه القرارات.
وعلى الفور، أثارت النسخة الإنكليزية للكتاب عاصفة من الردود بين المعلقين الأمريكيين، فكتب روس داوزات في صحيفة (نيويورك تايمز)، أن (ماركس قام من بين الأموات) ليس على الطراز السوفياتي الماضي، بل (عاد الزخم للأفكار الماركسية وعلينا منحها انتباهنا). ويضيف أن (بيكيتي نفسه يساري ديمقراطي يكره أن يُصبغ بالماركسية. لكن بحسب عنوان كتابه، يبدو أنه مصمم على إعادة تأهيل إحدى أفكار ماركس الرئيسة وتقديمها، ومفادها بأن ما يسمى اقتصاد السوق، بطبيعته، يغني أصحاب الرأسمال أكثر ممّن لا يملكون المال).
بينما رأى تيموثي شينك في مجلة (ذي نايشن)، أن الماركسية تعود في الولايات المتحدة بالاتكاء إلى ركيزتين: الأولى هي الحركة الشبابية التي نشأت عند قيام تظاهرات (الـ 99 في المئة) ضد (وول ستريت) قبل ثلاث سنوات، ولا يزال هؤلاء الشباب اليوم في حركة ناشطة وينتجون منشورات ومواقع على الإنترنت أبرزها (جاكوبين) و(ذي نيو إنكوايري).
أما الركيزة الثانية للحركة اليسارية المستجدة، وفق شينك، فتتمثل ببيكيتي، وهو الأكاديمي البارع الذي مارس التعليم في جامعة (أم آي تي) المرموقة، وهو بكتابه يقدم الغذاء الفكري المنظم لهذه الحركات الشبابية. ولم يأتِ الانتقاد الأمريكي لبيكيتي من المعلقين الوسطيين فحسب، بل من آخرين من المحسوبين في صف اليسار تماماً.
وكتب روبرت سامويلسون في صحيفة (واشنطن بوست) معترضاً على إقحام بيكيتي السياسة في شؤون الاقتصاد، وقال: (على رغم أن بيكيتي هو اقتصادي، فإن كتابه يقع في خانة العلوم السياسية، إذ يعترض على التفاوت الاقتصادي الطبقي بحجة أنه يؤذي الديمقراطية، ويعطي الكثير من النفوذ لقلة من الناس. ويبدو أن تحليل بيكيتي الاقتصادي منحنٍ ليتناسب وأجندته السياسية).
ويدخل سامويلسون في النقاش الأمريكي- الأوربي حول تأثير الضرائب على النمو، إذ لا يعتقد بيكيتي أن رفع الضرائب على الرأسمال يعوّق النمو. فيما يعتبر سامويلسون أن الزيادة تؤثر سلباً على (حوافز) المستثمرين، ويضيف: (أما بالنسبة لنفوذ كبار الأثرياء في السياسة، فيبدو أنهم بصعوبة يسيطرون على أي من الديمقراطيات). إذ أعلن أن (في الولايات المتحدة مثلاً، يذهب 70 في المئة من إنفاق الحكومة الفيديرالية إلى الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، فيما يسدد واحد في المئة (الأغنى في أمريكا) نحو ربع أموال الضرائب التي تجنيها الدولة).