من الصحافة العربية العدد 632
«داعش» تكشف العورات وتُمزق الأقنعة..!!
(أرى من واجبي قبل الخوض في الموضوع، ولئلا يُساء فهم مقاصدي، أن أُوضح موقفي الثابت والمبدئي، من جرائم داعش الوحشية التي أرى فيها أعلى تجليات الفاشية الدينية، ولا أرى في سفك الدماء شيئاً آخر غير وحشية قطعان الفاشية الدينية والقومية، ويوم القصاص من هؤلاء القتلة قريب.
لكني أرى أن الدماء الزكية الطاهرة التي سفحتها هذه القطعان، التي (تقدس الذبح)، هي ومن يقف خلفها ويمدها بكل الدعم المادي، المعنوي واللوجستي، هذه الدماء لن تذهب هدراً، وستتحول إلى شبح يقض مضاجع القتلة وأسيادهم، وسيدكّ عروش ملوك الطوائف وداعميهم، وسيتحول نهر الدماء الطاهرة إلى سيل عرمرم سيجرف القتلة، وآباءهم الشرعيين، الذين ولدوهم من رحم الفكر الفاشي الديني، ويخلص العرب والمسلمين من (جيفة) الفاشية الدينية، التي زكمت روائحها النتنة (أنف الإنسانية) لذا اقتضى التنويه.
ولكن… هل هناك في (داعش) وما تُمثله ما يستحق الشكر؟ هل سبق لأحد أن أثنى على الوحشية التي تُمارسها قطعان القتلة الداعشية؟ هل أصبح لذبح والكانيبالية (أكل لحوم البشر) مدعاة (للمديح)؟ وهل (فقدتَ) أيها الكاتب عقلك، أم أنك تهذي؟ ماذا في هذا الفكر الداعشي، لكي تكتبَ أو تُفكّر حتى مجرد تفكير، في أن تُخصص له من وقتك، وجُهدك و(مهارتك) الكتابية، لكي (تُمجده)؟ لا شك بأن لوثة أصابتك.. منه العوض وعليه العوض فيك.. وعزاؤنا فيك لأهلك، ولله في خلقه شؤون.
نعم، يحق لمن يقرأ العنوان المُستفز لأبسط ألمشاعر الإنسانية، أن يشك في عقل كاتب هذه السطور، وفي صفاء ذهن من قرر نشرها، ومعه حق في هذا الشك بالتأكيد. ورغم ذلك يتبادر للذهن سؤالان أو أكثر: هل سينتج من كل هذا الكم الهائل من الشر، ولو (ذرة) من (خير)، رغماً عن أُنوف القتلة والسفاحين؟
وهل من الممكن أن (يتحسن) وضع العرب والمسلمين، رغم هذه الوحشية؟ وكيف؟
الواقع الموضوعي يُشير إلى أن العرب والمسلمين، في عملية تراجع وتخلف مُستدام، مُخالفين (ومُتجاوزين)، بذلك، قوانين الطبيعة ذاتها، وقوانين تطور المجتمعات الإنسانية، بحيث أصبح من المستحيل على علماء الاجتماع السياسي، توقع وجهة هذه المجتمعات، لأنهم يعتقدون وتبعاً لذلك يفترضون، بأن قوانين (العمران)، كما وصفها (ابن خلدون)، تنطبق عليهم، كما تنطبق على سائر المجتمعات البشرية. لكنهم يفشلون في توقعاتهم، ويقعون في الخطأ ذاته، كل مرة ومن جديد. لأن من يريد توقع وجهة المجتمعات العربية عليه أن يبحث عن أسوأ احتمالات التخلف وأرذلها وأحطها وأخسها، الممكنة، وهناك سيجد وجهة المجتمعات العربية والمسلمة.
و(داعش) هي الوجهة (الطبيعية) بل وأقول المحتومة، لتطور المجتمعات العربية، في سياق منظومة تطورها (الخاصة).
لكن يتبادر إلى الذهن سؤال منطقي ووجيه وهو: هل هناك درك أعمق من (داعش)، قد تنحدر إليه المجتمعات العربية؟
وإجابتي تعتمد على (مشاعر الأمل والتفاؤل)، ولا تعتمد على قراءة علمية موضوعية، لمستقبل المجتمعات العربية – المُسلمة، فأنا مُتفائل بطبعي، وأعتقد أن هذه المجتمعات وصلت مع (داعش) إلى الدرك الأسفل الأخير من الهاوية. هذا هو سبب تفاؤلي، لكن، يجدربي الإشارة إلى أنني أُعاني، من ضعف في القدرة على (التخيل)، وربما يكون هذا الضعف، هو الذي يملؤني بالتفاؤل، ولو كنتُ صاحب خيال أوسع، لكانت هناك (مُنحدرات) أُخرى ستنحدر إليها المجتمعات العربية والمسلمة، فالأمر بحاجة إلى مخيلة المعري ورسالة غفرانه أو مخيلة دانتي وجحيمه! وأين أنا منهما؟
وبالعودة إلى داعش، وما يستحق فيها وأفعالها من (الثناء). ففي رأيي، ورغم بشاعة جرائمها ووحشيتها التي تبثها على شبكات التواصل بكل (فخر)، ومع شجبنا، واشمئزازنا، ورفضنا ومُعاداتنا لها ولممارساتها، وحزننا، تعاطفنا وبكائنا على ومعهم ضحاياها، فهذه الجرائم يتابعها ويشاهدها العرب والمسلمون، ويعرفون من خلالها، ما ينتظرهم في القريب، بعد أن تزحف جحافل (المُجاهدين) المسلمين الداعشيين لتحريرهم! فليس بإمكانهم التساذج بعد هذه الجرائم المصورة والادعاء بأنهم لم يتوقعوا شيئاً من هذا القبيل، إذا استمروا في تبييض صفحة الإسلام السياسي وصفحة تجار الدين.
تعرّف عامة العرب والمسلمين على نظام حكم (أمير المؤمنين) الداعشي، الذي (يُعيد أمجاد) الخلافة الإسلامية، وتعرفوا على شكل هذه الدولة العتيدة وحقيقتها. عرفَ العرب والمسلمون بأن لا حُرمة لدم المسلم ولا لدماء أبناء الديانات الأخرى، فكلهم للذبح، حلال.
الهروب الجماهيري الواسع، من وجه (المجاهدين)، الذين يتشدقون بنعمة (شريعتهم) التي ستُسبغها عليهم، يُبرهن بأن المسلمين فقدوا ثقتهم بدعاة دولة الخلافة ودولة أمير المؤمنين.
تُساهم (داعش) وأمير مؤمنيها بكشف غطاء الزيف عن كل من (سوّق) نفسه وفكره بمعسول الكلام، على أن الدولة الدينية ستُحقق العدل والمُساواة (طبعاً مساواة في قطع الرؤوس).
داعش هي الابنة الشرعية للإسلام السياسي، مهما اختلفت أسماؤه، من وهابية، وسلفية أو إخوانية، فكُلهم يريدون تطبيق أحكام فقهائهم ولو بحد السيف، وداعش تُظهر للعرب والمسلمين، ماذا يعني تطبيق أحكام ابن تيمية وتلاميذه القدماء والمعاصرين، وأحكام غيره من فقهاء الذبح.
داعش تُساهم بعملية فرز حادة، فهناك خندقان فقط، خندق الذبح وخندق الدولة المدنية، مما يُجبر العرب والمسلمين على الاختيار، قبل فوات الأوان. وورطت داعش بمذابحها،سادتها ومؤسسيها، داعميها بالمال والسلاح، ورطتهم في شر أعمالهم. وعرّت معهم فقهاء التحريض الطائفي.
الدولة الداعشية (تُحبّب) المسلمين، رغماً عنها وعنهم، بفكرة فصل الدين عن الدولة، وأن الدين لله والوطن للجميع، والدين شأن شخصي، والرابط بين المواطنين هو الرابط الإنساني المدني فقط.
داعش بوحشيتها، ألغت (ضبابية) الخطاب المعسول، وكشفت الوجه الحقيقي لدولة الإسلام السياسي الموعودة. فلا حياد بعد الآن، دولة دينية على شاكلة داعش أو دولة كل مواطنيها.
داعش تضع اللبنات الأُولى، ببشاعة جرائمها، تضع اللبنات الأولى، لمشروع فصل الدين عن الدولة. وساهمت داعش بجرائمها،في كشف (القناع) عن الوجه الحقيقي لفكر البعث الصدامي الفاشي.
وأخيراً، تكشف قناع الوطنية والقومجية الزائف، عن دعاة القومية الذين يرون أمل العراق، في سفاح مجرم كعزت الدوري، حليف داعش في الجرائم الوحشية.
فالله لا يعطيكي العافية يا (داعش)، رغم أنك تكشفين العورات وتُمزقين الأقنعة.. مع نهر الدماء البريئة المسفوحة.. والتي ستتحول عاجلاً إلى سيف يحُّز رقبتك!
قاسم حسن محاجنة
(الحوار المتمدن)، 17/6/2014