الملياردير «بوروشينكو».. رجل كل العصور!

مازال فوز الملياردير بيوتر بوروشينكو في الانتخابات الأوكرانية التي جرت في الخامس والعشرين من شهر أيام 2014 من الجولة الأولى بحصوله كما قيل على نحو 52% من أصوات المشاركين في الانتخابات، بفارق كبير عن رئيسة الحكومة السابقة يوليا تيموشنكو التي حصلت على 13% فقط، مازال محط اهتمام المراقبين والمحللين.

ينتمي بوروشينكو البالغ من العمر 49 عاماً إلى (الأوليغارشية) الأوكرانية التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وانهياره. وقد بدأ صعوده ببيع الكاكاو، وتحول إلى (ملك للشوكولاتة)، وأكبر مالك لشركات الحلويات في أوكرانيا، وامتد نشاطه إلى امتلاك مصانع للسيارات والحافلات والسفن، ثم امتلاك عدد من وسائل الإعلام الأوكرانية الأخرى منها القناة  الخامسة التلفزيونية الأوكرانية وصحف أخرى. وزواج بوروشينكو بين ثروته والعمل السياسي، لإضفاء الشرعية على نشاطاته ومصالحه وتسهيل أمورها في آن واحد، عبر القنوات الرسمية الحكومية.

في عام 1998 أصبح نائباً في البرلمان الأوكراني عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأوكراني الموحد، الذي كان مناصراً للرئيس الأوكراني الأسبق كوتشما، ثم أسهم بقسط كبير في تأسيس حزب الأقاليم الموالي لكوتشما في عام 2001 ثم انتقل في نهاية عام 2001 إلى قيادة الحملة الانتخابية لكتلة أوكرانيا بلدنا، المعارضة لكوتشما، التي ترأسها فيكتور يوشينكو، أحد البارزين في الثورة البرتقالية، والذي أصبح رئيساً لأوكرانيا في أعقاب تلك الثورة.

وكان بوروشينكو من كبار ممولي تلك الثورة، ثم أصبح سكرتيراً لمجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني عام 2004 كما تولى منصب وزير الخارجية في حكومة يوليا تيموشينكو عام ،2009 وتولى عام 2012 منصب وزير التنمية الاقتصادية والتجارة. جدير بالذكر أن بوروشينكو هو أحد ممولي حركة الاحتجاج في ميدان الاستقلال ضد الرئيس السابق يانوكوفيتش، فقد أيد المحتجين في مطلبهم بعقد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي، وهو يتحكم بالنخب الإقليمية في مناطق أوكرانيا كلها، ويشتهر بأنه أوجد لغة مشتركة مع جميع السلطات المتعاقبة على كييف للمحافظة على مصالحه في ظل الجميع، ووصف بأنه (رجل كل العصور في أوكرانيا). والسؤال هنا: هل سيتمكن بوروشينكو من إيجاد لغة مشتركة مع الرئيس الروسي بوتين؟

في سياق الإجابة عن مثل هذا السؤال نقول: مع أن الرئيس الروسي أعلن أكثر من مرة أن بلاده تحترم خيار الشعب الأوكراني في الانتخابات الرئاسية، وهو ما يعني الاعتراف الضمني برئاسة بوروشينكو، كما أن وزير الخارجية الروسي لافروف عبّر عن استعداد موسكو للحوار مع ممثلي كييف، ومن ثم مع بوروشينكو، وهو ما يمكن اعتباره تخفيفاً من حدة الموقف الروسي السابق من أحداث أوكرانيا، كذلك من المعروف أن موسكو وضعت شروطاً محددة لحل الأزمة الأوكرانية، منها عدم التطرق لموضوع ضم القرم إلى روسيا، ووقف العملية العسكرية، وبدء الحوار مع المناطق الجنوبية والشرقية، و(فدرلة) أوكرانياـ أي تحويلها إلى فيدرالية، وإعلانها كدولة محايدة بعد انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي.

رغم ذلك، ورغم إعلان بوروشينكو أنه يرغب في لقاء الرئيس الروسي بوتين، وأن حل الأزمة الأوكرانية غير ممكن من دون مشاركة روسيا، إلا أنه طرح رؤية تتباين تماماً مع رؤية موسكو، منها ضرورة استمرار العملية العسكرية في جنوب شرق أوكرانيا ضد من وصفهم بالانفصاليين الموالين لموسكو، وعدم الاعتراف بضم القرم، ورفض مبدأ الفدرلة إلى جانب تأييد انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، واتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي.

لهذا صرحت مصادر في الكرملين بأن الوقت لايزال مبكراً لتنظيم لقاء بين بوتين وبوروشينكو.. إضافة إلى ذلك أعلن بوروشينكو أن بولندا ستكون محطته الأولى لزيارته الخارجية بعد تنصيبه رسمياً، وهذا ما قابلته موسكو بشيء من الامتعاض، لأن بولندا كانت مع دول أوربية أخرى صاحبة دور مشبوه في أحداث أوكرانيا، وخلع رئيسها السابق يانوكوفيتش، إلى جانب سعي وارسو إلى الإضرار بالأمن القومي الروسي في إطار تعاونها مع دول حلف الأطلسي والولايات المتحدة.

بناء على ذلك، فمن المتوقع- حسب تقديرات خبراء ومحللين سياسيين كثر، أن الحوار بين بوتين والرئيس الأوكراني الجديد- في حال حصوله- سيكون صعباً للغاية، فميول بوروشينكو أمريكية- أوربية مئة بالمئة، وهذا مايزعج موسكو بطبيعة الحال.. يبقى هناك احتمال واحد، كما يقول هؤلاء الخبراء والمحللون السياسيون، وهو أن يلجأ بوروشينكو إلى (اللعب) على الحبال بين الغرب وروسيا، إلا أن هذه اللعبة ليست سهلة، وقد تؤدي إلى خلعه من منصبه خلال وقت ليس ببعيد.

 

العدد 1195 - 23/04/2026