قمة مصرية ــ سعودية «اضطرارية» وغير بروتوكولية!

قمة مبكرة مصرية – سعودية، هي الأولى للرئيس المصري المنتخب عبد الفتاح السيسي، غير مألوفة في مكانها وتوقيتها ومدتها، تؤكد الحاجة السعودية إلى عقدها، كذلك أيضاً الحاجة المصرية. ورغم أن هذه القمة وما يسمى بـ(جدول أعمالها) قد بقي طي الكتمان، فإن التسريبات الأولية أشارت إلى بحثها العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، واستعراضها للأوضاع في المنطقة العربية وتفاعلاتها، وتالياً مواقف الدولتين تجاهها، وهذا ما كان متوقعاً. وأما ترتيبها بوصفها زيارة طارئة، في طريق عودة الملك عبدالله  من نقاهته في المغرب، وعلى الطائرة الملكية السعودية في مطار القاهرة، لمدة 40 دقيقة وتجاوزها كل البرتوكولات، فإنه يطرح العديد من التساؤلات. (تعتبر الطائرة، كما السفارة، امتداداً لأراضي دولتها، ولم يفهم منها ما إذا كانت زيارة مصرية أم سعودية)؟!

تندرج هذه القمة في إطار التحركات العربية والإقليمية والدولية والتطورات التي تشهدها المنطقة، وخاصة الدول الفاعلة فيها، والتجاذبات والاصطفافات حولها، كذلك المواقف الدولية المتباينة تجاهها.

وتمثل سياسة كل من مصر والسعودية مؤشراً لطبيعة المواقف من هذه التطورات، وكيفية تعاطيها معها، كذلك تأثيرهما على هذه التطورات وانعكاساتها على دول المنطقة وتحالفاتها أيضاً.

فقد عملت السعودية على دعم مصر في مرحلة إقالة الرئيس المصري الإخواني محمد مرسي، وأعلنت تأييدها المبكر لحركة الشارع المصري المتقاطع آنذاك مع موقف المؤسسة العسكرية الممثلة بالفريق السيسي وزيراً للدفاع. وأيدت الخطوات المصرية المتتالية، وصولاً إلى انتخاب السيسي رئيساً، وكان الملك السعودي أول المهنئين بنجاحه، وقدمت العديد من دول الخليج باستثناء قطر، مساعدات مالية واقتصادية عاجلة دعماً لمصر خلال أزمتها وما بعد انتخاباتها الرئاسية.

وينظر إلى هذه الخطوات السعودية بوصفها محاولة لعرقلة أخونة مصرة، ولدرء امتداد الأخونة إلى دول عربية أخرى، وفي الصدارة منها السعودية التي تشهد حراكاً شعبياً في المناطق الشرقية، وهشاشة في وضع العائلة الحاكمة، كذلك بوصفها جهوداً تهدف إلى تقزيم المحور القطري – التركي، وامتداداته في دول مايسمى (ثورات الربيع العربي) وبضمنها مصر، فضلاً عن محاولة السعودية إعاقة قيام نوع من التنسيق (التقليدي) السابق بين مصر وسورية والعراق، بوصفها دولاً مركزية عربية، تعاني راهناً ومؤقتاً من تبعات المتغيرات العربية من جهة، كما تواجه مؤامرات إقليمية- دولية من جهة ثانية.. إضافة إلى جهود السعودية لاستخدام تقزيمها للدور القطري، وانفتاحها على مصر وغيرها، بهدف تقوية موقعها في التعاطي مع الدول الكبرى المنشغلة بالمتغيرات العربية، وتبعاتها (زيارة وزير الخارجية الروسي إلى السعودية مؤخراً، بعد زيارة وزير الخارجية السعودي إلى روسيا). ونضيف إلى هذه الجهود دعم السعودية المعلن لـ(داعش) الظلامية المناوئة لحركة الإخوان المسلمين، وآثاره الكارثية عراقياً وسورياً.

أما ما يتعلق بمصر، فإنها تنظر راهناً على الأقل، إلى المساعدات السعودية والخليجية، باستثناء قطر، بوصفها طوق نجاة من أزمتها الاقتصادية، وتلبي حاجتها المباشرة إلى مساعدات طارئة تنعش اقتصادها من جهة، وتساعدها في تنفيذ وعودها للشعب المصري في تأمين مستلزماته الحياتية الملحة من جهة أخرى. وتحاول مصر بقيادة السيسي تأمين احتياجاتها العسكرية من روسيا، وتغطيتها مالياً عن طريق السعودية، في الوقت الذي تتوافق فيه الدولتان ضد حركة الإخوان المسلمين، وامتداداتها وتحالفاتها أيضاً.

ورغم حاجة مصر الكبيرة إلى المساعدة السعودية والخليجية المالية – الاقتصادية وغيرها، وحاجة السعودية إلى دولة عربية وازنة، بعد أن خربت علاقاتها مع سورية والعراق، وتدخّلت تدخلاً سافراً في شؤونهما الداخلية، فإن هذا التقارب يؤشر إلى العديد من المسائل، منها:

– أن الصعوبات الداخلية المصرية، الاقتصادية منها خصوصاً، لا يفترض أن تطغى أو أن تؤثر على العلاقات التقليدية المصرية، التي أضعفها مبارك، وأوقفها الإخواني مرسي.

– أن الحاجة المشتركة الآنية لكل من مصر والسعودية إحداهما إلى الأخرى، لا يمثل توافقاً في الرؤى، أو السياسة، أو العلاقات التقليدية، وخاصة تجاه ما يسمى (ثورات الربيع العربي) المأزومة أصلاً التي عانت منها مصر قبل غيرها، وتختلف الدولتان حول الأزمة السورية والعراقية وتبعاتهما.

– أن محاولة مصر استعادة التوازن في علاقاتها العسكرية وغيرها مع روسيا، بعد أن هددت الولايات المتحدة باستخدام هذه العلاقة ورقة ضاغطة على مصر، وهذا التوازن صحيح ومطلوب إلا أنه ينبغي أن يشمل مجمل علاقاتها، وبخاصة مع الدول العربية الشقيقة والأقرب.

– أن المبادئ تمثل ركناً أساسياً في العلاقات الثنائية وغيرها، وأن المصالح المباشرة يفترض التعامل معها أو النظر إليها من رؤية استراتيجية، ولا مؤقتة، تؤثر على التوجه الاستراتيجي والهام والأساسي.

بقي أن نشير إلى الموقف المبدئي السوري الذي تجلى مرة أخرى في التهنئة المبكرة للسيسي رئيساً، ومحاربة سورية الأخونة والتطرف على أراضيها وفي بلدان عربية أخرى، دفعت ثمنه وماتزال غالياً، وعدم قيام مصر حتى تاريخه بخطوة رسمية وعلنية مقابلة، وأن الإقرار المصري بضرورة حل الأزمة السورية سياسياً وبعيداً عن التدخل الخارجي، هو خطوة متواضعة.. كذلك عدم تضمين سورية في لائحة المدعوين الرسميين  إلى حفل تنصيب السيسي، وأن الصعوبت الداخلية المصرية، وخاصة الاقتصادية منها، ليست مبرراً لانكفاء دولة مثل مصر، التي تغنت في مرحلة الزعيم جمال عبد الناصر، بجناحي المنطقة العربية، وبسورية قلب العروبة النابض (وهذه تعبيرات ناصرية)، وأن سورية تتعاطى رغم صعوباتها الكبيرة وكارثية أزمتها وتبعاتها، وأحد أسبابها توجهاتها ونهجها، بصيغة مختلفة، ونعتقد أن على مصر أرض الكنانة، أن تستعيد كل ماضيها وليس جزءاً منه.

د. محمد البطل

العدد 1195 - 23/04/2026