أصوات بهشاشة العشب… ولكن؟!
مرحلة تنهمر بها النصوص علينا، كما ينهمر المطر الموحل، غداة يسقط كسفاً من سماء غاضبة… تهز وجدان الأرض، لتنهض نقية صافية من جديد! تمر النصوص بنا ذاك المرور العابر الذي لا يضفي على الشعر شيئاً جديداً، ولا يترك عبقاً من أثر في الروح والوجدان، غالبية تلك الكتابات تقارب بعضها بعضاً لدرجة التداخل والتمازج، بشكل يعكس فكرة أن الغالبية تتشارك في استلهام أفكارها من ساقية واحدة، لم تقرب من المنبع الخصب بعد على الإطلاق، ذاك المنبع الذي يفجر روح الشعر بضراوة ندية، ومتعة رائعة! كتابة عابرة، وكتاب عابرون يعتمدون كلياً على فكرة إغراق نصوصهم بصور تبدو مبهرة لقارئها كمظهر من مظاهر الكتابة الراهنة، ولكن الجوهر غائب تماماً عن تلك الكتابات، ولا وحدة موضوع فيها، وليس لها علاقة من قريب أو بعيد بتراثنا الشعري العظيم، ولو كان لها ذلك لاستلهمت منه قصائدها بروح العصر وراهنه، لنقول: إن روح شعرنا العربي متجددة عبر العصور، وإن مراحل الإبداع المتعاقبة تكمل دورتها، خلال فصول الحياة بروعة ومتعة وقوة، كتاب عابرون يكتبون كتاباتهم العابرة بروح المغامرة والتواطؤ مع ثقافة القراء العابرين كذلك، فلا ذاك أفلح في كتابته، ولا هذا وقف ضمن قراءة ممتعة جيدة على شعر رائع، ومبهر، وجميل، ومع هذا فثمة أصوات أصيلة لم تزل تبدع نصها الأصيل لأن قدر ذلك قائم بين منزلتين فإنها، في بعض ومضاتها، تبشر بإمكانية أن تبدع ذات يوم، إذا تعبت على نفسها ثقافة وقراءة، واستلهاماً لتاريخ أدبي. ومع ذلك، ولكي لا نكون مغالين في تشاؤمنا، فحتى تلك الأصوات الناهضة من تربة عطائها بهشاشة العشب، فإنها، في بعض ومضاتها تبشر بإمكانية أن تبدع ذات يوم، إذا تعبت على نفسها ثقافة وقراءة، واستلهاماً لتاريخ أدبي عربي مجيد، وإن بذور الكتابة المبدعة موجودة، والقدرة على الإبداع موجودة، ولكن عملية الدفع إلى الأمام خطوة، وإلى الأعلى خطوة يلزمها الكثير الكثير لتصل إلى الهدف وتحقيق الذات فيما تكتب! ولعل الضربة القاسمة للشعر أتت من الفكرة القائمة على الاستسهال الآثم لفعل الكتابة، واسترخاص قيمة الكلمة المقدمة لقراء غائبين، وانتزاع دعامات الشعر جميعها، التي كانت تشكل الدعامة الأساسية للإبداع، لذك كان على تلك السكة أن تنحرف عن مسارها الصحيح بالمقدار ذاته الذي انحرقت فيه ذاكرة المبدع عن مسارها الصحيح!
تمر يومياً بين أيدينا عشرات المجموعات من هذا القبيل، صور متراكمة بطريقة مذهلة، هائمة في بحر من الفوضى والغياب، ليس من علاقة بين جملة وجملة، ولا مقطع ومقطع، ولا فاصل وفاصل،نصوص لا تعرف مطلقاً معنى التنقيط والفواصل وعلامات التعجب والاستفهام، جمل لا بداية لها ولا نهاية، ولا موضوع، ولا رابط يربط بينها على الإطلاق، من هنا كانت مطالعاتي لتلك المجموعات قد أثمرت:
ـ اعتبار ما يقدم للقراء بدايات مشجعة مع تقديم الدعم لأصوات تعتبر مؤسسة لبدايات فعل إبداعي قادم.
ـ تبني تلك الأصوات بحيث تكون العلاقة متينة جداً بين الجيلين: الماضي المبدع والراهن المتعثر الذي يحاول اجتياز عتبات الأزمات حتى يصل إلى إبداع جيد.