مناطق سورية

طالما كنا نقول ونتحدث عن اختلاف المجتمعات الشرقية عن الغربية في الثقافة وطريقة التفكير وأسلوب الحياة واختلاف القيم، وخلال سنوات قليلة بدأنا نتعرف أكثر أن الاختلاف ممتد وموجود حتى بين الدول العربية، فتختلف أيضاً الكثير من الأمور بينهما.. والتنوع هذا دليل جمال الوجود البشري الذي يتلون ويختلف كغابة واسعة المساحات ومتنوعة النباتات والأشجار، وحين نصل إلى سورية، سنجد الفرق موجوداً، فعندما تنصت قليلاً سترى الاختلاف موجوداً بين الساحل والداخل، وبين مدينة وأخرى.

ذهبت إلى اللاذقية بعد طول غياب، فكانت مواجهتي الرائعة للاختلاف. رأيت فيهم نماذج مختلفةً عن أهل الشام، وأسلوباً متجدداً في الحياة، وجدت شوارعهم ممتلئة بحياةٍ لا علاقةَ لها بالأزمة، تجدُ حياةً مليئةً بجوّ الشباب والحركة، اقتربت منهم أكثر فوجدت فيهم حب الحياة وانتظار الفرح. شعب يحب القراءة والصيد والسباحة والنظر إلى الحرية بشكل مختلف ساعين لإيجاد خيوطها من شاطئ بحرهم، تجد لكل شخص فيهم رأيه الخاص، طريقته الخاصة، أسلوبه الخاص، لا يريد أحد منهم أن يشابه أحداً، ورغم كل تلك الاختلافات الجميلة، تجد فيهم سمات البحر المشتركة، من مغامرة وحب استطلاع وشجاعة وثقافة وعمق، ينتابهم هيجان البحر بغضبهم وتمردهم أحياناً، لا يشبهون في عاداتهم الكثير من عادات دمشق، فأهل مدينتهم يعشقون الحرية ويكرهون القيود، لا يكترثون للكثير من محدوديات أسلوب الحياة، ولا نمطية العيش، رأيتهم يخرجون حتى آخر الليل ليشجعوا في مباراة، أو ليمارسوا رياضتهم المسائية أو مشوارهم المعتاد، أو ليتسوقوا… لا زمن يحدد رغبات يومهم، وحتى تفكيرهم، لهم قواعدهم الخاصة في الحياة، فرأيت هم وكأنهم يسكنون قرية كبيرة مزدحمة… لا خوف ولا رهبة للمساء، ولا نفوس تخاف حديث بعضها، ولا زمن يحدد ساعات يومهم.

وأما دمشق، المدينة الساحرة بكل ما تعنيه الكلمة، فلها أيضاً حياتها الخاصة، لها سهرها وسمرها، لكنها مقيدة بعض الشي، ربما هي طبيعة الناس المختلفة وامتزاج العديد من المحافظات والثقافات داخلها، هي تلك الأمور التي تجبر سكانها أن يكونوا منغلقين نوعاً ما فيما بينهم. نرى في أهل دمشق الحكمة والإدارة والقدرة على السيطرة على الأمور، وكلها تأتي من طبيعة بيئتهم، لكنهم لا يتحلون كثيراً بشجاعة الساحل ولا بحريتهم.. أهل دمشق يتقيدون كثيراً بقيمٍ محددة وأفكار مسبقة وقوانين خاصة متعارف عليها ضمنياً. شوارع دمشق ممتلئة لكن لزمن محدد وفي مناطق محددة، غير اللاذقية المكتظة أينما كان، ترى القليل من الصبايا ليلاً في دمشق، وإن رأيتهن يبدأ شك النفوس لدى البعض، أما هناك في اللاذقية، فترى شباباً وصبايا معاً دون أي تفكيرٍ سلبي. في دمشق ترى الألفة لكن بين العائلة الواحدة، الطاولة الواحدة، الأصدقاء المعينين، أما هناك فتجد الألفة أينما كنت. في دمشق تجد الرقيب، ولو أنه لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم،  أما هناك فالحقيقة أوضح من الرقيب.

يتحلى أهل دمشق بالمرونة أكثر وبالدبلوماسية وطول البال، أما هناك فتجدهم كما يقولون عن أنفسهم (نزقين) ويرجعون ذلك إلى طبيعة الجو الرطب، إذ يجعلهم لا يحتملون بعضهم بأقل تفصيل. حتى أن تجارنا هنا في دمشق تجد فيهم القدرة على إيجاد الحلول الكثيرة والأساليب المتنوعة لجعل الزبون راضياً، أما هناك فترى التاجر صلباً غير متحمس لإرضاء الزبون، بل تجده غير مكترث به.

عمق الثقافة في اللاذقية جميل وإبداعي، من عمق البحر يكون ومن وسعه.. وهنا تجده خاصاً بالمعرفة ومتابعة السياسة والاقتصاد، فدمشق تجارية بامتياز وسياسية.

فروق تفصيلية وعامة تجعل منطقة سورية تختلف عن الأخرى، فلا يحتمل أحد أن يكون في الجانب الآخر لأنه يخاف ذاك التغيير الكبير، ويستغرب طريقته في الحياة.. هكذا هي البلدان وهكذا هي الناس، لكن الأهم الآن هم الشباب السوري الذين اجتمع أغلبهم هذه الفترة بصفات مشتركة بين كل المحافظات، فتجد منهم من أصابته الكآبة واليأس من المستقبل والحاضر، ومنهم من يقرر الانتحار، وبعضهم بل الكثير منهم يتعاطى أدوية مخدرة وكأن هموم الحياة تقيدهم، فيطلبون من تلك الأدوية أن تحرر تفكيرهم ونفوسهم، وهم غير مدركين لما ستفعله بهم. تجد شباباً تائهاً وغير مبالٍ بالكثير من الأمور الإنسانية الجوهرية، يحاول أن يكذب على نفسه بالكثير من الأشياء. يدّعي حريته وهو الأكثر انغلاقاً وتشبثاً بالتقاليد البالية، يبحث عن الطيران في جو تملؤه قضبان تأسر تفكيره. كمثل الرغبة بالمساكنة في بلد يخاف تغيير حاجبه، في بلد يتشدق بصفات الأخلاق لا ضير من أن يتصرف الانسان كما يحلو له، لكن الغريب أن تكون مبادئه مختلفة عن تصرفاته، فالحرية لا أن تتصرف كما تريد فقط، بل أن تتصرف كما تؤمن وتصدق به.

الكثير من الأمور التفصيلية الغريبة التي تجعلنا نفكر ونفرح ونحزن، فالاختلاف ضمن المناطق مقبول، لكن بين الإنسان نفسه عقلاً ونفساً فهو غير مقبول.. علينا برأيي أن نتكاتف جادين لنسعى نحو التغيير الحقيقي، نحو شباب حقيقيين واعين، قادرين على تحديد قدراتهم ومستقبلهم وقوانينهم وعاداتهم، دون ادعاء أو تصلب أو تشدد..

العدد 1194 - 15/04/2026