العدوان على غزة.. إفرازاته ودروسه

كثيرة هي الدروس التي أفرزها العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وصمودها البطولي، فتجربة خمسين يوماً من التصدي البطولي، أكدت مرة أخرى الحوامل الضرورية لهذا الصمود، وضرورة تطويرها لما فيه مصلحة فلسطين النضالية من جهة، كذلك العوامل المحيطة وكيفية التعامل معها راهناً ومستقبلاً من جهة ثانية.. فضلاً عن انعكاسات هذا العدوان إسرائيلياً وإقليمياً ودولياً. في سياق التعامل مع همجيته وتبعاته، على هذه الأصعدة وفي الصدارة منها الحالة الفلسطينية القائمة.

إذ لم يستطع العدوان الأخير رغم كارثيته (هو الأطول في مسلسل الاعتداءات الإسرائيلية)، ومحاولات القائمين عليه،  بشاعته، وحجم التدمير والخراب الناجم عنه، أن يحدث شرخاً بين المقاومة وحاضنتها الشعبية في قطاع غزة، كما لم يحدث هذا العدوان خللاً في الساحة الفلسطينية الداخلية، على تعقيداتها وتبايناتها، يستطيع من خلاله التأثير على مقومات الصمود، ويؤشر إلى نصر ما، وإن كان معنوياً للمعتدين.

هذا في الوقت الذي كشف فيه هذا العدوان واقع الحال الداخلي الإسرائيلي الهش، وإمكانية ضعضته وخلخلته، وتالياً حرمانه الاستفادة من ميزات التفوق العسكري والبنيوي القائم، في مواجهة وصمود بطولي، ضد جيش نظامي يعد الأقوى في المنطقة، ومؤسسات وهياكل وتجهيزات حكومية لدولة احتلال خاضت الكثير من الحروب مع جوارها.

كما أظهر مرة أخرى نقاط الضعف القائمة في كيان الاحتلال على صعيد بيئته وتركيبته، وتفاعلاته السريعة، في هذا المجتمع الواهن عملياً والمستقوي إلى درجة كبيرة بعناصر ضعف الطرف الذي يواجهه. وأكد في الوقت نفسه أيضاً واقع الحال الرسمي العربي بعيد ثورات الخريف العربي والقائمين عليها والداعمين لها وتداعياتها التي أوصلت بمجموعها إلى هذه الحالة المتردية والمتهالكة، وكشف كذلك واقع الحال الشعبي العربي وقواه المحركة وعجزها عن تفعيل الشارع العربي بما يتناسب وحجم العدوان على غزة وشراسته، كما حدث في المواجهة الشعبية العارمة ضد الأخونة وإسقاط نظامها في مصر، أو إزاحتها وتحالفاتها عن السلطة في تونس، كذلك الصمود ضد هذه (الثورات) في بلدان أخرى، وهذا ما يفترض بهذه القوى تقييمه ومراجعته.

وأظهر العدوان مرة أخرى حقيقة السياسة الأمريكية المنحازة وكيفية تعاطيها مع أي صراع، أو تفاعل، في المنطقة انطلاقاً من مصالحها وتوجهاتها، وتالياً موضوعة الديمقراطية عموماً، وحقوق الرأي والتعبير، وأول أبجدياتها حق التحرر والاستقلال الوطني والعيش بكرامة، وهذا ما ينطبق على الغرب عموماً، الذي تنطح زوراً لدعم لافتات الديمقراطية المشروخة في المنطقة خدمة لمشاريعها ومصالحها لا أكثر ولا أقل.

ورغم التضامن الشعبي العالمي الواسع، ولهذا دلالاته ومغزاه، والمواقف المشرفة للكثير من الدول المتوازنة، والمدافعة الحقيقية عن إرادة الشعوب وتطلعاتها المشروعة، فإن العامل الذاتي، على تواضع إمكاناته، قد فعل فعله في مواجهة هذا العدوان، رغم الآلام والتدمير الممنهج والبربرية التي رافقته وتبعاته المجتمعية والحياتية أيضاً. وهذا ما يفترض الإمساك به وتطويره، والذي أكدته وحدة الموقف الفلسطيني (وفد تفاوضي موحد، رفض الانفراد أو الفئوية، ورقة تفاوضية موحدة، تعامل مرن ومبدئي، مزاوجة ناجحة بين الصمود البطولي المقاوم والتفاوض، قراءة صحيحة للواقع المحيط وللحالة الدولية اللامتوازنة.. إلخ)، رغم الملاحظات العديدة حول كيفية تعاطي بعض الأطراف الفلسطينية مع هذا العدوان، من منظور فئوي ضيق.

عدوان همجي هو الأطول والأقسى، وخمسون يوماً من الصمود البطولي، في ظل هذه الحالة العربية والإقليمية والدولية القائمة، والخلل في التوازن، أفرز اتفاقاً مشرفاً للفلسطينيين، بدءاً من وقف هذا العدوان وفشله في تحقيق أهدافه، إلى إقرار الكثير من مطالب الصامدين والمتحدّين لهذا العدوان، والمتمثلة في فك الحصار وفتح المعابر والخلاص الأولي من تبعات الإجراءات الإسرائيلية، في كيفية تعاطيها مع جزء من الدولة الفلسطينية المنتظرة، وبخاصة السيادية والاستقلالية العملية. عدوان الثامن من تموز ليس كسابقاته إسرائيلياً، كذلك الأهداف المتوخاة منه، وصمود بطولي فلسطيني، استند في الكثير من مقوماته على تعاطٍ وطنيٍّ مسؤول مع هذا العدوان وتبعاته، بوصفه مفصلاً جديداً واستراتيجياً في كيفية التعامل مع الحالة الفلسطينية- فلسطينياً أولاً، وإسرائيلياً ثانياً، سيعززه بالتأكيد كيفية التعاطي المستقبلي مع غزة إعماراً وصموداً ووحدة وطنية واستحقاقاتها وتبعاتها أيضاً.

وهناك الدروس المستفادة من هذا العدوان رغم كارثيته الاقتصادية – المجتمعية، وفي الصدارة منها، وحدة الفلسطينيين في مثلث وجودهم في أراضي عام ،1967 ومناطق عام ،1948 ودول الشتات والاغتراب، كذلك كيفية تفعيل هذا المثلث، بوصفه العامل الأبرز في صمود الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية على اختلافها وتنوعها، وتجربة صمودها في وجه عدوان شرس – بربري، أفشله الفلسطينيون وهم قادرون على تجاوز تداعياته في غزة وخارجها أيضاً.

العدد 1195 - 23/04/2026