هل ركبت الترجمة موجة الهبوط؟
لماذا يقف المبدع الحقيقي صامتاً إزاء مواجهة (الإبداع) التجاري الهابط في الفن والأدب؟ لماذا نجده متفرجاً على ما يجري من خروق وتجاوزات في الغناء والمسرح وكذلك في الأفلام، دون ركوب موجة السقوط هذه؟!
هذه الوقفة أحسبها كوقفة الخاسر المتحسّب في تقييم مسعر الأدب الرصيف ولتحصين جداره ضد تفشّي عملات الأدب الرخيص التي دخلت عالم الأدب ببطاقات مزورة هدفها الإفساد الحضاري والثقافي، على أيد تجيد الإعلان والترويج والنزول بالذائقة الإنسانية إلى أقصى درجات التشويه والسفالة، إن لم نقل إلى الانحطاط والتبعية للإعلام والثقافة المعادية التي تنال من حضارتنا وموروثنا الثقافي يوماً بعد يوم.
وفي ضوء ذلك تسهم الترجمة التجارية بدرجات متفاوتة في هذا الإسفاف والتخريب، عن طريق الترويج الترجمي غير المسؤول لأعمال شركات البث وإنتاجها السمعي والصوري، التي توجّهها أساساً الوكالات الاستخبارية المعادية، كما الإسفاف، وصولاً إلى السرقة الترجمية والتكرار المستهلك والانتقائية المريضة المرتبطة بالروح والأخلاق الفاسدة… والهدف هو الإفساد وتخريب النشء الجديد، وإلا بماذا نبرّر الشواذ عند بعض المشاهير، والابتعاد عند بعض المشاهير، والابتعاد عن ترجمة الأعمال الأدبية الكبيرة التي ترسم قيم الالتزام بالذوق الإنساني الرفيع وما له من صلات وطنية وروحية كما كان يفعل مترجمو أيام زمان.
عن صناعة هذه الترجمة تحدث العديد من الأدباء والمختصون باللغات الأخرى، فقال بعضهم إنها أشبه بعروض الموضة ومقتنيات التجميل وعروض الألبسة والسيارات… تتغير وتتبدل وفق آلية السوق: العرض والطلب، وليس لها أي هدف ثقافي اعتباري مسبق. بينما يرى آَخرون أنها لازمة لحالة (الميل والهوى)، في العلاقة الاجتماعية والنفسية بل وحتى العمرية والجنسية، أي أن دوافعها ذاتية محضة وليست موضوعية تهدف إلى إغناء الفكر وإشاعة الثقافة كتعريف بما يصدر من أعمال أدبية أو عملية.
وهنا أتساءل: كم وصلَنا من ترجمات لآداب وثقافات الأمم الأخرى من غير الأوربيين، أي ترجمات لأعمال الأدباء الأفارقة والآسيويين؟ والجواب: إن ما وصلنا لقليل جداً قياساً إلى كتب المغامرات والجنس وتفسير الأبراج والأحلام، وكتب التشويه لثقافة الرأي والرأي الآخر، والتجنّي على آَداب وثقافات المقاومة المناهضة للتطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، ولسياسة الأنظمة الرجعية العربية وأعوانها، في الثقافتين(الفرانكوفونية) و(الأنكلوسكسونية) وأدواتها البوليسية الجديدة (الثقافة الأمريكية) ثقافة (الفوضى الخلاقة).
فهل هناك من جدوى لكي نقرأ كتاباً لكاتب أمريكي أو إنكليزي أو حتى روسي…، بأكثر من عشر ترجمات لمترجمين أكفاء، ولا تصلنا ترجمة واحدة لكاتب لا يقلّ شأناً عن نظيره الآخر؟ كي ندرك الهدف وراء السعي التجاري والذاتي لبعض مترجمينا (الجهابذة) الذين تحول بعضهم إلى مجرد لسان ببغائي لالتقاط وترجمة ما يحلو ويشبع وبمردود مالي مغري على حساب التاريخ المنجز!!
العيب إذاً ليس في القارىء فحسب، بل فيما يصل إلى القارىء وما يروج له الإعلان ووسائل الانتشار. إنني أضع التساؤل الآتي أمام من يقرأ مقالي هذا من الأساتذة المترجمين: كم عدد الترجمات للأدباء والمثقفين السوريين والفلسطينيين وحتى العرب من كتب؟ أو هل يرقى إلى 10% من كتب مترجمة إلى العربية من اللغات الأخرى؟.. وهل حظيت الكتب العربية المترجمة إلى اللغات الأخرى باهتمام ترجمي دقيق كما فعلتم إزاء الكتب الاجنبية؟.., ولماذا التركيز المبهم على كتب دون غيرها، وقد استُهلكت حتى نفاد طعمها خصوصاً مايتعلق بالروايات والقصص القصيرة دون الشعر..؟ أما قال أسلافنا: إن صفوة اللغة هي الأدب وصفوة الأدب هو الشعر؟ فهل هناك قصورمعرفي ترجمي عند الكثيرين من المترجمين في اللغة التي نعنيها شعراً؟! فلم نقرأ منذ أمد بعيد لشعراء شباب عن أمهات اللغات المترجَم عنها كالإنكليزية والفرنسية والإسبانية.. وما أكثر (مستعمراتها) القديمة والحديثة.. الحقيقية التي لابد من ذكرها..
إن علّة الترجمة كعلّة النقد في بعض مفاصلها، تلك المتعلقة بالميل والعلاقات وانتهازية المجاملة والصداقات وغيرها وسواها القليل ما يترجم إلا لماماً.
فالتحيّة إلى مترجمي أيام زمان!