من الصحافة العربية العدد 667
إسقاط الدولة السورية
تصريحات الغربيين في الخلاص من النظام السوري تبدلت. الإرهاب في سورية عاود صوغ المشهد. بعض الدول الإقليمية بات يقرأ الموقف في شكل متأنّ ومختلف. ورغبة تركيا في استمرار الحرب على سورية، بجماعات مسلحة متناحرة، لمنع تكرار تجربة الأكراد في العراق، صار مقلقاً لكل الأطراف. والمعارضة السورية أدركت أن اشتراط رحيل النظام، قبل بداية العملية السياسية قضية مستحيلة. والنظام السوري تفهم أن البطش لا يحسم المعركة، رغم دعم إيران. وهو أصبح مدركاً أن (أضعف الحيلة خير من أقوى الشدة، وأقل التأني خير من أكثر العجلة). الأزمة السورية لم يعد لها مخرج سوى السياسة. لكن الوضع على الأرض ساخن ومتشابك، فضلاً عن أن الحل السياسي المنتظر يشبه نزع الشوك من المرفق.
الحل السياسي القادم في سورية، هو عنوان ترتيبات الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. لكن الخلاف على سورية، أعمق من تشابك الإرهاب مع الملف النووي الإيراني. في بداية الثورة السورية، تجاهل بعض دول المنطقة طبيعة موقع سورية الجغرافي والسياسي، وقلل من دور مصر، التي تعتبر استقرار الوضع في سورية جزءاً من أمنها القومي. فضلاً عن أن القاهرة ترى أن وصول جماعة (الإخوان) إلى حكم سورية أشد خطراً من بقاء النظام السوري. تداعيات الحرب ونتائجها عاودت ترتيب المواقف. مصر خرجت من التحالف العربي – الغربي – التركي. والسعودية، ربما، تراجع مكاسبها وخسائرها، وتفاضل بين موقف القاهرة العربي، وتطلعات أنقرة، وإن شئت مصالحها وأطماعها. لكن موقع سورية وحدودها ستحميها من انهيار سريع. فضلاً عن أن انهيار دولة الأمويين، على طريقة دولة العباسيين في العراق، سيكون كارثة كبرى في الشرق الأوسط. وعلى رأي هنري كيسنجر (لا سلام من دون سورية)، وإن شئت: لا استقرار. والدول العربية، المعنية بالقضية السورية، تدرك أنها من دون تحالف أمريكي على الأرض، لن تستطيع حسم معركة الاستنزاف. وهذا الأخير أصبح الحل العسكري، بالنسبة إليه، مجرد وسيلة لم يحن وقت استخدامها.
تركيا لعبت، حتى الآن، دوراً محورياً في إنهاك الدولة السورية، وسهلت دخول الجماعات المسلحة من جميع دول العالم. وهي أصبحت محطة (ترانزيت) لكل المقاتلين على الأراضي السورية، رغم ادعاء الأتراك أنهم لا يعلمون عن دخول المقاتلين الأجانب إلى سورية عبر حدودهم. حرب الاستنزاف الجارية في المدن السورية، إن استمرت على هذا النحو، ستفضي حتماً إلى إسقاط الدولة السورية. هل من مصلحة العرب إسقاط الدولة السورية مثلما حدث في العراق؟
لا شك في أن العرب تعاملوا مع الأزمة السورية بأخطاء، فاقت أخطاءهم في العراق. والشاهد على هذا موقف الجامعة العربية في بداية الأزمة، الذي لا يمت إلى السياسة بصلة. كان موقفاً حماسياً أو عاطفياً. هي طردت مندوب سورية. وفي اليوم التالي أسندت الحديث مع سورية وعنها للأتراك. عاود العرب الغياب السياسي في هذه الأزمة، مثلما غيّبهم ما يسمى (دول جوار العراق) عن المشهد العراقي.
الأكيد أن وقف الحرب في سورية، بأي شكل، حماية لدولة عربية محورية ومهمة، وحقن لدماء الشعب السوري. والتمادي في الاستزاف يعني مزيداً من قتل السوريين، ودعم الإرهابيين، وتسهيل أطماع الإيرانيين والأتراك.
داود الشريان
(الحياة، 8/3/2015)
استراتيجية المواطن السوري: الاستمرار في الحياة
لو قدر للمواطن السوري أن يمتلك خياراً في حرب بلاده المستمرة منذ 1440 يوماً تقريباً، ما الذي كان اختاره؟
ففي ربيع عام ،2011 ومع انقسام الشارع السوري حول ما يجري من أحداث، اتخذت ما يسمى بـ(الغالبية الصامتة)، موقفاً تجلى في ممارسة صمت أكبر حيال ما يجري، من تقاذف للمسؤوليات واتهامات بالخيانة.
وبالرغم من أن الأشهر الأولى من عمر الأزمة السورية، لم تكن بأي شكل من الأشكال، على المستويات الأمنية والاقتصادية، قريبة من حد الكارثة الحالية، إلا أنه بالرغم من ذلك قام كثيرون في البدايات بإخلاء رفوف المتاجر من السلع الضرورية، وانتشرت شائعات دفعت الناس إلى المخابز للتموّن لأسابيع، واتخذت الشرائح الأكثر اقتداراً قرارات مصيرية بتصفية أعمال، أو تحويل مدخرات إلى الخارج.
لم تكن الصورة واضحة وقتئذ للغالبية، وربما مازالت أجزاء كثيرة منها تحمل غموضاً أكثر مما تحمل وضوحاً، إلا أن العديدين لجؤوا إلى رفع معنوياتهم عبر التلفزيونات المنحازة لأحد الطرفين في المعركة، الأول الذي يعد الجمهور بأن الأزمة (خلصت)، والثاني الذي يقول (إنه قاب قوسين أو أدنى من تحرير دمشق).
لكن بين وعود المحللين وقادة الميليشيات وتصريحات السياسيين النارية، كانت المناطق السورية تنقسم بفعل تأثير النيران، الجوية والمدفعية والأرضية. وبدأت ملامح دولة الحرب ترتسم مع بدايات عام ،2013 حين شرعت فصائل مسلحة، عديدة الانتماءات، تتقاسم النفوذ في أنحاء البلاد، من شرقها إلى غربها، فتقطعت أواصر المناطق الإدارية، وتقطعت السبل بالبشر.
ومع اتخاذ الفصائل من مناطق سيطرتها حصوناً لها، اشتدت وتيرة استهدافها من قبل الجيش، فبدأت هموم المواطنين: من الانتقال، من هم المعيشة اليومي، بعد انقطاع خدمات الدولة الأساسية، إلى هم البقاء على قيد الحياة. ويصبح هذا الهم بمستويات مختلفة، تتعدى مراوغة القصف والمعارك المرتجلة، أو المخطط لها كـ(أم المعارك)، فتنقسم من الحالة المأساوية التي يصل فيها سعر كيلو الرز إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية، كما في دوما، إلى حالات أكثر قبولاً، يصبح فيها الحصول على وقود التدفئة واللحاق بالارتفاع الجنوني للأسعار هو الحياة اليومية كما في مناطق الدولة الآمنة نسبياً.
ويشكل غلاء المعيشة الفاحش أهم دلالات الحرب، ويأتي نتيجة لعدة عوامل، بينها تدهور قيمة العملة السورية أمام الدولار، بعد أن فقدت 80 في المئة من قيمتها، والعقوبات المفروضة على الدولة، كما الحالة الأمنية التي جمدت عجلات الإنتاج الاقتصادي، وقادت إلى بطالة وصلت حدود الخمسين في المئة وفقاً لتقرير اقتصادي صدر مؤخراً.
وبما أن الحرب لا تمنح خيارات، وإن منحتها فهي في أغلب الأحوال مُرّة، انقسم السوريون بين نازح داخلي وخارجي (يقارب عددهم سبعة ملايين)، ومهاجر عن قدرة أو مهاجر قسري، مقاتل أو مواطن، بشكل عام. ويقدر تقرير لـ(مركز بحوث السياسات)، ومقره دمشق، أن الذين هاجروا في عام 2014 كان 163 ألفاً، سبقهم في عام 2013 نحو 525 ألفاً، بإجمالي يزيد عن مليون ونصف المليون مهاجر. وسبب انخفاض العدد لا يعود إلى تحسن الأحوال، وإنما إلى ضيق خيارات السفر، بعد أن أتخم المهاجرون والفارون من جحيم الحرب الشواطئ والسفارات، على حد سواء. لذا على من بقي في الداخل أن يكافح، ولكن على درجات تختلف فيها درجة التهديد، كما مستوى الحاجة بين منطقة وأخرى.
ووفقاً لتقرير المركز فقد تراجع دليل الدخل بنحو 30 في المئة. ورغم أن وضع من حافظ على دخل ثابت أفضل بالتأكيد ممن فقد القدرة على تمويل معيشته (أكثر من مليوني فرصة عمل فقدت)، إلا أن الأول يعاني أيضاً، فقد ارتفعت الأسعار ثلاثة أضعاف كحد وسطي، ما دفع بالكثيرين إلى خيارات لم تكن في الحسبان، بينها المشاركة في دورة اقتصاد العنف، التي لا تستثني السرقة من مناطق المنكوبين، وصولاً إلى انتشار الجريمة المتمثلة بالخطف والقتل لأغراض مادية أو مصالح شخصية، دون ذكر المنضمين إلى ميليشيات طرفي النزاع على الجبهات العديدة. وزاد على ذلك، انحسار موارد الحياة الطبيعية، سواء بسبب تلوث المناطق التي تعيش زخم الصراع، أو تحت وطأة النزوح الثقيل في المناطق الآمنة، الذي بلغ معدلات تفوق نسبة سكانها الأصليين. وهو ما حمّل تلك المناطق هاجساً أمنياً، إضافة إلى هواجس المعيشة الاقتصادية، كما خلق توترات ديموغرافية لم تكن موجودة قبل أربع سنوات.
ولا يبدو المستقبل رغيداً، في ظل انتظار أجيال نسبة كبيرة منها خارج سياق التنمية الطبيعي، إذ تشير دراسات الأمم المتحدة إلى وجود مليون طفل خارج المدرسة، فيما لا يبدو حال المتعلمين أفضل، في ظل ضيق المدارس أمام كثافة الوافدين في المناطق الآمنة، وتعدد المناهج التي يتعرض لها التلامذة السوريون، والتي تتدرج من منهاج الدولة، بصيغته البعثية، إلى مناهج تدريس اللاجئين، اللبنانية والأردنية والتركية المعدلة، وصولاً إلى مناهج السلفيين الوهابية كما في مناطق حكم تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق والشام) – (داعش).
من جهته، يعيش النازح حالة من الاغتراب، حتى في مجتمعات النزوح الآمنة، ويخضع لشكوك الجيران، التي تضاف إلى هموم التشرد والفاقة الموجودة.
رغم كل ما سبق، ثمة صورة للحياة اليومية، لا يراها من يعيش خارج البلاد، تتمثل في صورة الموظفين المتوجهين إلى عملهم كل صباح لتسيير مؤسسات الدولة المنهكة، والمواطنين المستندين إلى تجارة بدائية، أو حرف مستجدة ولدت أو استعادت أمجادها بسبب الحرب، والطلاب المتوجهين للحصول على ما تيسر من العلم، إلى زوار المقاهي، ورواد الملاهي التي يظل استمرارها في تحقيق مدخول عالٍ غريباً عن أجواء الإحباط السائدة، أو ربما مبرراً تماماً.
وتبدو مقولة (عايشين) و(عمندفش)، موازية لجملة (كل يوم بنموت مية موتة)، لتعكس ربما الحكمة الشعبية القائلة أن (الذي لم تأت ساعته، لن تقتله شدة)، بحيث تصبح ملاذ الصابرين، ولكن من دون أن تكون خيارهم أو شعارهم، الذي يفاخرون به.
زياد حيدر
(السفير، 12/3/2015)