المشاريع التشاركية بين القطاعين العام والخاص في سورية دراسة تحليلية مقارنة لبدائل التمويل

 تقدمت الباحثة الاقتصادية الآنسة رشا سيروب يوم الخميس في 13/9/2012 بأطروحة عنوانها (المشاريع التشاركية بين القطاعين العام والخاص في سورية-دراسة تحليلية مقارنة لبدائل التمويلط) أمام لجنة التحكيم في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، للحصول على مرتبة (دكتورة) في الاقتصاد.

بعد مقدمة نظرية تناولت فيها نضال الشعوب من أجل نيل الاستقلال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية،  وسعيها من أجل تعزيز استقلالها السياسي بالاستقلال الاقتصادي وتحقيق التنمية، وفك ارتباط اقتصادها باقتصادات الدول المستعمِرة، ولدت الحاجة إلى بلورة فرع جديد من علم الاقتصاد هو (اقتصادات التنمية) الذي تركزت بحوثه حول الأساليب والسياسات المؤدية إلى رفع مستوى معيشة السكان، وتلبية احتياجاتهم الأساسية، من خلال تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وبالطبع فقد كان للسياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الدور البارز في الوصول إلى هذه الحالة، التي أعادت طرح مسألة دور الدولة، والدور الذي يمكن أن تقوم به القطاعات الاقتصادية المختلفة، وجاء هذا الطرح من خلال التطور الحاصل في النظرية الاقتصادية والتحولات الجارية في الاقتصاد العالمي والعلاقات الاقتصادية الدولية.

وعندما دخل النظام الرأسمالي في بداية السبعينيات من القرن الماضي في نفق الركود التضخمي، وعجزت الكينزية عن إعطاء الحلول الناجحة للخروج من الأزمة، تصدت الليبرالية الاقتصادية الجديدة وأعلنت أن أسباب الأزمة تكمن في تدخل الدولة التي حملتها المسؤولية كاملة. ثم جاء انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل تجربته الاشتراكية ليعزز الاتجاهات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، ولينشر ثقافة العولمة الاقتصادية والمالية وثقافة السوق المنفلتة من أي قيود. وفي غمرة ذلك برزت النصائح والتوجيهات من المؤسسات المالية الدولية لتقدم على شكل برامج للتحول نحو اقتصاد السوق، والشديد على الانفتاح وتحرير التجارة وتولي القطاع الخاص قيادة الاقتصادات الوطنية، تدعمها الشركات المتعدية الجنسيات. وكان من بين ما تهدف إليه تلك البرامج تشجيع الاستثمار الأجنبي الذي بحث دون كلل عن مواقع يستثمر فيها هذا الكم الهائل من الأموال السائلة المتولدة من عمليات النهب المنظمة. وكان من بين أهم مجالات الاستثمار المطروحة: الاستثمار في قطاع البنية التحتية والمرافق العامة تحت عنوان قديم- جديد هو التشاركية بين القطاعين العام والخاص، في الوقت الذي كان القطاع الخاص يحجم عن الاستثمار في تلك القطاعات الاقتصادية والخدمية، لأنها تحتاج إلى رساميل طائلة فضلاً عن طبيعتها التي كانت تعرف بها كخدمات تقدمها الدولة دون مقابل أو بمقابل مدعوم ورمزي.

وقد أُعطيت صيغة المشاركة اسماً جديداً هو (التشاركية)، أو ما يُعرف ب PPP. وسعت المؤسسات المالية الدولية ليكون لها قوانين وأنظمة خاصة تراعي فيها درء المخاطر الناجمة عن الاستثمار الأجنبي وتحفظ له رأسماله الأصلي وأرباحه.

وبينت الباحثة سيروب أن الواقع أثبت أن التشاركية لا تهدف إلى تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في البنية التحتية والمرافق العامة فحسب، بل إنها تعدُّ تغييراً أساسياً في فلسفة التنمية، تهدف إلى تقليص دور الدولة وإضعافها، وجعل القطاع الخاص ينفرد في قيادة الاقتصاد الوطني، بتحالف وثيق مع الرأسمال الأجنبي ضمن سياسة الانفتاح والتحرير الاقتصادي والمالي والتجاري والارتباط الوثيق بالاقتصاد العالمي والاندماج بالعولمة.

 في سورية، على سبيل المثال، جرى توزيع (الوثيقة الوطنية للشراكة) التي بررت الدعوة إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى ما يلي:

أ- يتطلب تحقيق معدلات النمو المستهدفة في الخطط الحكومية حتى نهاية عام 2015 والمقدرة بين (5 و7%) سنوياً، تنفيذ مجموعة ضخمة من مشاريع البنى التحتية والخدمات ذات الجودة العالية، ومن ثمَّ يمكن للمشاريع المطروحة وفق أسلوب الشراكة، والمعدَّة بشكل جيد ومدروس، المساعدة على توفير جزء كبير من هذه الاستثمارات.

ب- يؤدي إحداث شراكات استراتيجية بين القطاعين في مختلف المجالات والاستفادة من الطاقات والخبرات (المالية والإدارية والتنظيمية) المتوافرة لدى القطاع الخاص.

ت- تخفيض الأعباء التمويلية عن الموازنة العامة للدولة.

ث-  تحفيز النمو الاقتصادي وزيادة معدلاته والمساهمة في خلق المزيد من فرص العمل وتخفيض معدلات البطالة ومكافحة الفقر، من خلال جذب وضخ المزيد من الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي.

في المقابل، يرد على هذه المبررات بما يلي:

1- إن العجز المالي في الموازنة العامة للدولة ما زال دون المستوى الخطر، وهو لا يتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي وفق البيانات الرسمية.

2- على الرغم من التسهيلات العديدة الممنوحة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي، بموجب القوانين النافذة، فإن إسهام القطاع الخاص المحلي والأجنبي في مشروعات التنمية والاقتصاد العيني كانت محدودة، وتوجه بشكل خاص نحو الاستثمار العقاري والمصرفي والتأميني والمضاربات.

3- إن التكلفة الحقيقية في مشروعات الشراكة أعلى منها في عقود الشراء التقليدية بسبب ارتفاع تكلفة اقتراض القطاع الخاص، فضلاً عن أن القطاع الخاص يطالب بنسب أرباح أعلى، وغالباً ما تكون تكاليف الشراء لديه أعلى.

4- يستطيع القطاع العام أن يوظف كفاءات إدارية وفنية عالية، إذا عدَّل أساليبه الإدارية وطوَّرها، كما يستطيع شراء التكنولوجية الحديثة من أسواق العالم، ولا شك أنه قادر على توطين التكنولوجيا بكفاءة أعلى،

5- هناك بعض مشروعات البنى التحتية والمرافق العامة لها طبيعة خاصة وتتعلق بالأمن القومي، مما يضعف القدرة على التوجه نحو عقود الشراكة في مثل تلك المشروعات.

وبعد استعراض مسهب لتجارب المشاريع (التشاركية)، ومخاطر تسلل الرأسمال الأجنبي إلى سورية بهدف التأثير على القرار الوطني المستقل، وضعت الباحثة سيروب في نهاية بحثها حزمة من الاقتراحات كان أبرزها:

1- إعادة صياغة نهج اقتصادي اجتماعي مناسب، وفق مبادئ جديدة تستطيع أن تجابه التغيرات الهامة التي طرأت على الاقتصاد العالمي، للخروج من مأزق الرأسمالية المتوحشة ومن الاشتراكية الشمولية والتخطيط المركزي، وذلك بإعادة توزيع متوازن وعادل للأدوار بين الدولة وبين القطاعين العام والخاص، بما يخدم تحقيق أهداف التنمية المستدامة وترسيخ الجانب الاجتماعي لعملية التنمية المادية في الإطار الذي يحافظ على الدور القوي للدولة، دون الإخلال بحق القطاع الخاص وواجبه في المساهمة بهذه العملية.

2- صياغة مفهوم للشراكة خاص بالوضع الاقتصادي والاجتماعي في سورية بعيداً عن القوالب الجاهزة في حدود توصيات المؤسسات الدولية، تجعل الشراكة موجهة فقط نحو مشروعات وأنشطة استراتيجية، وتحتاج إلى رساميل كبيرة، وقادرة على تشغيل أكبر عدد ممكن من العمالة الوطنية وتستخدم الموارد المحلية، وتؤدي إلى إقامة مشروعات تخدم الاقتصاد الوطني وبما لا يتعارض مع مقتضيات الأمن القومي.

3- أن تندرج الشراكة ضمن عقد اجتماعي جديد، يعيد بناء العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على أسس من العدالة الاجتماعية، وبما يحقق متطلبات التنمية، وبما يؤدي إلى زيادة وتيرة معدلات النمو الاقتصادي والاجتماعي.

4- تطوير أداء مؤسسات القطاع العام وإصلاحها وإعطائها المزيد من المرونة والاستقلالية في الإدارة ومعاملتها على التوازي مع مؤسسات القطاع الخاص.

5- العمل على رفع تنافسية الاقتصاد السوري من خلال الحد من الفساد وإرساء الحياة الديمقراطية والمشاركة الشعبية، فضلاً عن توفير مؤسسات قابلة للمساءلة والمحاسبة.

6- تعزيز الاعتماد على الموارد المحلية من خلال:

+ وضع سياسة نقدية قادرة على تحفيز الادخار، وتوجيه الودائع في المصارف نحو مشروعات تحتاج إليها سورية لتحقيق التنمية، وفق الأوليات.

+ تعديل النظام الضريبي المحلي وتعبئة الموارد المحلية، وفرض سياسة ضريبية قائمة على العدالة الاجتماعية، إذ إنَّ الضرائب المباشرة أقدر على تحقيق العدالة في توزيع الدخل، ويجب الابتعاد -قدر الإمكان- عن الضرائب غير المباشرة، والتخلي عن منح الإعفاءات والميزات الضريبية التي تُفقِد سورية الكثير من الموارد المحتملة (الضريبية والجمركية) لصالح الرأسمال.

+ إعادة تنظيم سوق دمشق للأوراق المالية وتطويرها، وذلك لتتمكن سورية من استقطاب وتوجيه الرساميل لخدمة احتياجات الاقتصاد، وبما يمكن من توفير الموارد اللازمة لتمويل عملية التنمية.

+ إصدار سندات خزينة (بالعملتين المحلية والأجنبية) من أجل تمويل المشروعات الاستثمارية، وإن كان هناك بعض المحاولات، لكنها كانت خجولة ولم تشكل نسبة يمكن التعويل عليها في تمويل الخطة الاستثمارية.

+ ألا تسبب هيكلية تمويل المشروع أعباء مالية على الدولة تفوق القدرة على تحملها.

7- ألا تكون المشروعات التشاركية وسيلة جديدة لتعزيز الاحتكار وترسيخ سيطرة ونفوذ فئات معينة من رجال الأعمال والشركات والمؤسسات المحلية والأجنبية، عن طريق احتكارها للمشروعات والأنشطة الاستثمارية والتشاركية، عدا ضرورة لجم سيطرة الرأسمال الأجنبي على مواقع وأنشطة أساسية و/أو استراتيجية في سورية.

8- ضرورة الإبقاء على دورٍ قوي للدولة وترسيخ وجود أجهزة حكومية قوية وذات صلاحيات، قادرة على توجيه نشاط القطاع الخاص والتدخل عند الضرورة بغية تخفيف الآثار الناجمة عن الفشل السوقي، والتي تكون تكاليفها الاجتماعية والاقتصادية مرتفعة.

 وبعد أن أوضحت الباحثة سيروب بعض المسائل التي طرحها أعضاء لجنة التحكيم،اجتمعت اللجنة، وأصدرت قرارها بمنح الباحثة رشا سيروب درجة الدكتوراه، بمرتبة (امتياز).

 

+++ أسرة (النور) تتقدم بالتهنئة للباحثة الدكتورة رشا سيروب، وتتمنى لها المزيد من النجاحات.

العدد 1188 - 25/02/2026