انحدار الأخلاق.. لا علاقة له بالحرب

يُحدد كل مجتمع منظومة قيمه الأخلاقية بناء على مقومات ومعطيات ناتجة عن تركيبته كاملةً، فيُحرّم ما يُحرّمه، ويُحلل ما يراه مقبولاً. ومنظومة القيم التي ينتهجها أي شخص، ما هي إلاّ جزء من عملية التربية التي نما وترعرع عليها في بيئته، وهذا سبب الفارق بين البيئات وبين ما تُنتجه من منظومات قيمية وتربوية وأخلاقية وغيرها… فما يتشرّبه الإنسان في الصغر لا بدّ أن يكبر معه في حياته المستقبلية، لذا نلحظ التباين الواضح والملموس بين هذا وذاك حسب تربيته، يُضاف إلى ذلك أيضاً الاستعداد النفسي الخاص بكل شخص بتقبّل أمر ما ورفض غيره، وهذا يوضح لنا ما نراه في بعض الحالات من اختلاف أحد أفراد الأسرة عن الباقي الذين تربّى معهم على المفاهيم والمبادئ ذاتها.

وعلى هذا فالأخلاق سلوك جمعي تتوافق عليه الأغلبية، وقبول الأغلبية أو الأكثرية وليس الجميع من شأنه أن يُفرز بعض الأخلاقيات والسلوكيات التي تنتهجها تلك الفئة غير المتوافقة مع المجموع، وبالتالي تطفو على السطح بعض الظواهر اللاأخلاقية والمسلكيات المرفوضة من قبل الآخرين…

وما طفا على السطح خلال السنوات الخمس الأخيرة في مجتمعنا، لا أعتقد أن الأزمة وحدها مسؤولة عنه، بل ساهمت في ظهوره ووضوحه أكثر، لأن تلك المسلكيات غير الأخلاقية التي باتت شبه عامة موجودة بالأصل، كالسرقة والفساد والانحلال الأخلاقي وغيرها، إنما كانت فيما قبل الأزمة مكبوتة أو تمارس بالخفاء بحكم منظومة القيم المجتمعية العامة، لكن، لأن أيّة أزمة يمكن لمجتمع أن يمرَّ بها، تجعل من كل المعايير السابقة مرفوضة وتُلغي كل الحدود وتعمُّ الفوضى. باتت تلك الظواهر اللاأخلاقية تطفو وتصبح وكأنها تُعيد ترتيب مفاهيم أخرى وجديدة على المجتمع…

في حال الحرب، سيتعايش المجتمع مع كل التناقضات التي يحياها أفراده، مع أنه رافض للكثير منها، إلاّ أن الظرف العام المُعاش يجعله يتقبّل الأمر الواقع، وباعتقادي إنه من الضروري لكلّ مجتمع أن يعيش تلك الحالة كي يعيد بناء نفسه من جديد على أسس منطقية وعقلانية.. ذلك أن الأخلاق كلٌّ متكامل لا يتجزأ، فإمّا أن تسقط أنت وقيمك في الهاوية وتقودك رياح المرحلة الآنية، وإمّا أن تبقى متشبثاً بما تشرّبته وتربيّت عليه، وفي الحالتين هناك ثمن باهظ لا بدّ أن تدفعه، سواء أكان سقوطاً مريعاً ومُدمّراً، وحتماً لن تنعكس نتائجه عليك وحدك، بل ستطول أقرب الناس إليك، أو أنك تتشبّث بمبادئك فترى نفسك اليوم بعيداً عن واقعك الذي تعيشه، وبالتالي تعيش تناقضات نفسية رهيبة بداخلك وأيضاً لن تكون وحدك….

مهما طالت الأزمة فستنتهي، وستُعاد صياغة مفاهيم قيمية مجتمعية جديدة، إلاّ أن طريقة التعامل مع البعض منها ربما ستتغير، فالسرقة ستبقى سرقة والدعارة ستبقى دعارة ولن تُسمى بمسميات أخرى، لذا ستبقى قيماً لا أخلاقيةً مرفوضة، إلاّ أن هناك بعض القيم الأخلاقية التي سيجري التعامل معها بصياغة جديدة، فمثلاً ربما يصل المجتمع لتبني فكر يتقبل ظاهرة المساكنة ويبدأ بعلاج آثارها…

لننظر إلى الجانب الإيجابي من الحالة، فما هو قائم اليوم لن يستمر مهما طال… وما على كلٍّ منّا إلاّ التشبّث بأفكاره ومبادئه… ففي نهاية المطاف لن يصحَّ إلاّ الصحيح..

العدد 1195 - 23/04/2026