الشركات القابضة.. حل صحي للقطاع العام أم تضييع للوقت وتبرير للعجز؟

مرت عقود دون الوصول إلى حلول جذرية قادرة على إصلاح القطاع العام الصناعي. ومن ضمن الحلول التي تطبخ حالياً والتي يتداولها بعض المسؤولين ويواكبهم بعض الباحثين والأكاديميين هو تحويل بعض شركات القطاع العام إلى شركات قابضة أسوة بتشكيل شركتين قابضتين خاصتين جمعت كل منهما أهم أصحاب الرساميل في سورية كتكتل اقتصادي الغاية منه توحيد أهداف وجهود هؤلاء الأشخاص لتقوية دورهم وفرض رؤيتهم وبرامجهم، وتقوية الخط النيوليبرالي الهادف إلى منع تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، وسحب الدعم وزيادة الضرائب والرسوم لدعم الموازنة.

ونحن نرى أن طرح الحلول لا بد أن  يسبقه كشف المرض الذي حل بهذا القطاع، من خلال تفشي المحسوبيات والفساد الإداري والهدر والتقييد القانوني والمالي، وضعف دور المؤسسات الرقابية. ورغم نجاح بعض التجارب في بعض المعامل في بداية التسعينيات كتجربة الإدارة بالأهداف وغيرها ولكنها ألغيت ولم تطبق سوى سياسات فحواها التأجير أو الخصخصة الصامتة. وهنا نتساءل: هل يمكن أن يكون للشركات القابضة دور في حل مشاكل هذا القطاع؟

قبل الخوض في الإجابة لا بد من تعريف الشركة القابضة التي هي نوع من أنواع الشركات المالية. والشركة هي مجموعة من الأفراد أو المؤسسات المشتركين بأموالهم وجهودهم في تقديم خدمات أو منتجات لمجموعة أخرى في مكان جغرافي يسمى (السوق). فالشركة القابضة هي التي تستملك حصصاً وأسهماً في شركات أخرى، شرط أن تزيد على ما نسبته 51% من قيمتها السوقية، لذلك سميت قابضة من كلمة قبْض، أي استلام. وشرط أن تمتلك ما يزيد على النصف في شركات أخرى هي من أجل حشد الأصوات في مجلس الإدارة إلى ما يجعلها صاحبة القرار الفني والمالي والاقتصادي النهائي فيما يخص أداء عملها في السوق ورسم السياسات الاستراتيجية للشركة لتعود بالنفع على أصحابها.

وقد كانت الشركة العامة للتبغ أولى الشركات التي طرح اسمها لتحويلها إلى شركة قابضة. وهنا يطرح تساؤل غريب حولها، لأنها تدر أرباحاً بمليارات الليرات للموازنة، ومثلها ضرائب، ويعمل بها نحو 16 ألف موظف بشكل مباشر، ومئات الآلاف يستفيدون منها بشكل غير مباشر. وبالتالي لم يكن طرحها بهدف الإصلاح أو العلاج، إنما هو تهيئة لإدخال القطاع الخاص أو تغيير البيئة القانونية والتشريعية من أجل غاية معينة. وهذا ما يؤكد الأصوات القائلة بأن الغاية هي خصخصة القطاع العام لا إصلاحه ولا تطويره . وهنا يمكننا طرح الاستفسارات التالية عن الصيغة المطروحة لهذا الطرح، هل هو ضم مجموعة من الشركات الخاسرة مع بعض الرابحة تحت إدارة واحدة تابعة للقطاع العام، أم إدخال بعض الرساميل الخاصة في الإدارة، وبالتالي مشاركتهم بالملك والقرار في هذه الشركات عن طريق رساميلهم، وهو نوع من الخصخصة؟ وكذلك نسأل السؤال التالي: من الذي طرح هذه الفكرة؟ هل يمتلك الرؤية القانونية والتشريعية القادرة على مواكبة هذا التحويل؟ وهل هناك رؤية كاملة لحقوق العمال والموظفين في ظل هذا النوع من الحل، سواء كيفية تعديل قانون العاملين الأساسي وقانون العقود الموحد 51 وتطوير البيئة الإدارية والمالية على وضعها؟ وبالتالي هل سيكون الموضوع ضمن إطار مؤسسات عامة فقط عن طريق ممثلين لها، أم ضرورة مشاركة رساميل خاصة من جهة؟ وكذلك ما هي آلية ضم الشركات والمعيار في حال كون الشركة ستكون حكراً على القطاع العام؟ هل ضمن رؤية متكاملة أم زيادة تعقيد لما هو معقد بتربيح الشركات الخاسرة عن طريق ضمها لشركات رابحة وتقليل ربح هذه؟

هنا نقول: إن لكل شركة أو مؤسسة مشاكلها الخاصة المختلفة عن غيرها، بعضها ما يتعلق بفساد الإدارات، وبعضها بتقييد القوانين، مما يخلق مشاكل تمويلية وتسويقية. وبذلك فإن الخوض بحلول كهذه هو محاولة لتصعيب وتهويل المشكلة من جهة، واستمرار بفكرة القضاء على دور هذا القطاع ومركزه وقدرته من أجل إضعاف دور الدولة من جهة وإقحام القطاع الخاص المدعوم لدعم قوة الرساميل الخاصة ودورها مقابل إضعاف دور الدولة. وبالتالي هناك كثير من الحلول الواقعية والبسيطة القادرة على إعادة الحياة إلى هذا القطاع دون الخوض بطروح غريبة معقدة لا تعكس إرادة التطوير والإصلاح ومتطلبات الدولة من القطاع العام بشكل خاص.

و هنا نتساءل: لماذا كان عنوان السنوات الماضية التنويم أو التطنيش عن إيجاد حلول لهذا القطاع، على الرغم من وجود كوادر قادرة على دراسة عميقة تاريخية واقعية كافية لإيجاد الأسباب الحقيقة الكامنة وراء وصول القطاع العام إلى الوضع المأسوي، والذي أدى إلى تجرؤ أصوات وأقلام سواء من حيث التبعية أو اليأس، للمناداة بالخصخصة حلاً لهذا القطاع.. فهناك أقلام مرتبطة بخط اقتصادي وفكري ومصلحي يقوم على تطبيق الأفكار الليبرالية مهما كانت النتائج الناجمة عن هذه السياسات، نزولاً عند مصالح أشخاص أو إملاءات خارجية. وهناك أقلام وصلت إلى مرحلة اليأس، كما خطط وعمل المعرقلون لأي خطة للإصلاح، إذ يفرضون الأمر الواقع الذي يقتضي الخصخصة دون أية معارضة أو مواجهة، وهو ما دفع البعض إلى التصريح العلني بنظريات تتقاطع مع فرض الأمر الواقع الليبرالي.. وهنا يمكننا طرح السؤال التالي:

لمصلحة من ما يجري في القطاع العام وما يعامل به هذا القطاع؟ هل هو لمصلحة سورية، اللاعب الأساسي في المنطقة سياسياً؟ وهل هو لمصلحة المؤسسات الوطنية التي استطاعت عن طريق هذا القطاع وبعقلانية واعية متطورة، وتستطيع فرض رؤيتها على جميع المستويات، وعلى جميع الصعد؟ هل ما يحصل لمصلحة الموازنة العامة للبلاد التي كان يرفدها وما يزال بمئات المليارات من الليرات السورية؟ هل هو لمصلحة التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر ملايين فرص العمل التي كان يوفرها وسيوفرها في حال إيجاد الحلول المناسبة؟ وهل هو لمصلحة الشرائح الوسطى التي رسخها في هذا الوطن؟ هل هو لصالح الفقراء والفلاحين والكادحين الذين لولا هذا القطاع لما استطاعوا التعلُّم، ولما كانوا أداة فاعلة في هذا الوطن، ولما تحسنت معايير التنمية البشرية؟ هل هو لمصلحة القطاع الخاص الذي استفاد من ملايين فرص العمل المرتبطة والمتعلقة بوجود القطاع العام وقوته؟ هل هو لمصلحة الرساميل التي سوف تتأثر بالانعكاسات السلبية الاجتماعية الناجمة عن القضاء على القطاع العام؟.

وكذلك يمكننا أن نسأل:

هل عجزت الكفاءات السورية عن تشخيص مشكلات القطاع العام من إدارات غير كفأة، جزء منها يعتمد على المحسوبية والولاءات الشخصية خارج إطار السيطرة المؤسساتية وعبر أجهزة رقابية تابعة لهذه الإدارات، وعبر قوانين معرقلة لعملية التطوير والتحديث في هذه الإدارات عبر فساد وهدر منظم ومبرمج، وعبر قوانين لا تراعي الواقع الحالي لهذا القطاع، ولا تراعي التطورات الحاصلة في المحيط عبر آلات ومعدات أكل عليها الزمن، وعبر سلوك لإسقاط هذا القطاع؟

لقد بدأت المشكلة في إطار القطاع العام الصناعي، ثم انتقلت وتضخمت لتشمل الخدمات، ثم اتضح أن المشكلة ليست بنيوية، وإنما هي إقصائية! بمعنى أن الأسباب لا تهم، ولكن المهم هو إقصاء جزء منه وتقليل فاعلية ودور جزء آخر.

لقد كنا مع مبدأ التنافسية ضمن شروط، ولكن الذي حدث هو إقصاء القطاع العام من أجل تفعيل دور القطاع الخاص، وأصبح القطاع العام يعامل كابن الجارية، والقطاع الخاص كابن الست.

كنا مع التشاركية من أجل الوصول إلى صيغة وطنية تساهم في الاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة في البلاد وفق شروط عادلة ووفق استراتيجية قادرة على التصدي للبنية التحتية وللتنمية بشكل عام، ولكن الذي حدث أن التشاركية استغلت للاستفادة من قطاعات ذات ربحية عالية وذات أداء جيد.. . وهنا نقول: نحن لسنا ضد القطاع الخاص، لأن سورية لا يمكن أن تقوم إلا بنمو القطاعين وقوة القطاعين وفق شروط تنافسية لا وفق القضاء على العام من أجل إقحام القطاع الخاص. فالقطاع العام هو أداة قوة للسلطة السياسية تستطيع بواسطته قيادة التنمية بجميع أشكالها ضمن الضرورة الحتمية لموقع ومواقف سورية السياسية التي تفرض وصاية سياسية على كيفية التطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية كموجه ومشرف في العموم، ومتدخل عندما يكون ما ينعكس على الاستقرار الوطني.

وبالتالي أول ما يجب العمل عليه هو وجود النية الحقيقية لإصلاح هذا القطاع، ثم العمل الحقيقي والدؤوب للوصول إلى جذر المشكلة ووضع الحلول الواقعية القادرة على إعادة الحياة إلى هذا القطاع، والعمل على تنفيذها والذي قد يكون آخرها الشركات القابضة لصعوبته وتعقيداته وإمكان الوصول إلى حلول أسهل وأكثر واقعية في حال وجود النية الحسنة والإرادة الصادقة.

العدد 1188 - 25/02/2026