وصمة قيمية تحرمها الحياة

 في الوقت الذي شرّعت فيه جميع الأديان السماوية والوضعية الزواج لكلا الجنسين، حقّاً يحافظ على استمرار النوع البشري، جاءت القيم المجتمعية بتشريعات تمييزية لصالح ذكور قبائلها، إذ حرّمت وقيّدت الزواج ثانية لبعض النساء(المُطلّقة والأرملة) باعتبارهن بضاعة مُستهلكة لا تليق بفحولة أولئك الذكور الذين لم يعرفوا من الرجولة سوى اختراق سور مُحصّنٍ بشرف العذراوات اللواتي يُرضين فحولة مزيّفة وشرفاً مهدوراً على أعتاب النزوات والشهوات.

ولقد أباحت القيم ذاتها للرجل الزواج في أيّ وقت تقتضيه شهوته وفحولته، ليجمع بملك يمينه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وكل الخيارات تقع على عذراوات حتى لو كنّ طفلات، دون النظر إلى انتهاك براءة الطفولة التي لم تأخذ حقّها في التعليم أو الاختيار وتقرير مصيرها ومستقبلها، وأيضاً دون الأخذ بالاعتبار والحسبان ما يُسببه تعدد الزوجات من قهر لكرامة المرأة وأنوثتها.

ولا يمكننا التغاضي عن أن المرأة ذاتها حتى لو كانت مُطلّقة أو أرملة تؤدي دوراً هاماً في تعزيز تلك القيم المجتمعية التي تأسرها في شرنقة عنيفة من المحظورات والممنوعات، فتجدها لا تقبل عروساً لابنها سبق لها الزواج، لأنها لا ترى فيها ما يليق بشباب الابن وشرفه الذي يقتضي أن يبدأ الحياة بفروسية ذكورية لم يسبقه إليها أحد.

ومن جهة أخرى تجدها هي ذاتها، ولمجرد أن تُصبح أمّاً، تنسى أنوثتها والحياة معاً، فإن غدت أرملة أو مُطلّقة، نذرت نفسها لأبنائها وتربيتهم، فاسحة المجال أمام الرجل ليعيش حياته بعيداً عن كل ما تقتضيه المسؤولية تجاه الأبناء، متصدّية وحدها لكل هذا، من منطلق أمومتها تارةً، ومن منطلق الابتعاد عن العيب والمحظورات الاجتماعية المفروضة على امرأة مثلها، مُتحاشية بذلك كل التصنيفات والتسميات، وحتى الشتائم التي ستواجهها، إضافة إلى الابتعاد عن نظرة اللوم والعتاب التي ستتلقاها من أبنائها إن قررت الزواج ثانية، وكأن قدرها ارتبط للنهاية بوثاق الأمومة، في الوقت الذي يتحلل فيه الرجل من وثاق الأبوّة ومسؤولياتها، بدعم اجتماعي وحتى قانوني لا حدود له.

 فبأيّ حق يُنصّب المجتمع نفسه قاضياً وحكماً على حياة إنسانة ذنبها الوحيد أنها فقدت التواصل مع شريكها( طلاق، وفاة)، لاسيما أن الموروث الديني لم يمنع المرأة من تكرار التجربة، بل بالعكس يعتبره أمراً واجباً، حتى لا تقع المرأة في المعصية… وباعتقادي أن النظر إلى هذا الجانب من الموضوع ليس بالقليل، وهو أمر إيجابي، لكن، هناك فصل فاحش بين الموروث الديني، والاجتماعي القيمي يفرض على المرأة خيارين لا ثالث لهما، فإمّا أن تُصغي لمشاعر أنوثتها ورغبتها في حياة أخرى وتتزوج، وإمّا أن تلوذ بمشاعرها صمتاً لا يُمكنها البوح بها، وتختار أمومتها رسالة تفتخر وتعتز بها للوصول بأبنائها إلى شواطئ الحياة والمستقبل. وغالباً يكون الخيار الثاني هو الأسمى لدى معظم النساء بحكم العاطفة والأمومة من جهة، وبحكم الموروث والتقاليد والحياء الأنثوي.

فماذا يمكننا أن نقول أو أن نفعل تجاه هذه الحالة، وذاك المصير..؟

إنها حالة خاصة تعيشها المرأة، ولا أحد سواها يستطيع أن يُقدّر عواقب الأمور، أو أن يعبّر عمّا في داخلها من أزمات وأنّات وآهات في أيٍّ من الخيارين السابقين، ولا أعتقد أنه من حق أحدٍ التدخل في أمر حسّاس وشائك كهذا، فهي وحدها من يحق له أن يقرر وبحرية داخلية بحتة.

العدد 1190 - 11/03/2026