ضجيج..!؟

تلك الليلة كانت مسروقة من سراديب السكون الأبدي، أجلس في الظلمة تتجاذبني الوساوس والأفكار، صمت عميق يغوص في النفس، وسكون يدوّي في ملكات الروح التي اعتادت الضوضاء والجلبة، وحيداً في عزلتي الاختيارية ولا شيء سوى أنفاسي تتجاذبها الحياة. سريعاً يمضي النهار، لا حاجة بي إلى التجوال، فالدروب غادرت الخطا وتعبت من الترحال. تماحكني الثواني وتتلاعب بي الدقائق ولا تسير الساعات. بطيئاً بطيئاً يمضي الليل. أحدق في ذبالة السراج وقد علاها لهب يتراقص من دفق الكاز في الفتيلة، فترتجف كتلة اللهب وتبدو كأنها ترقص. لهب السراج يذكرني ببداية سبعينيات القرن الماضي، عندما كان الناس في حيّنا ينيرون بيوتهم ليلاً بالقناديل و(لكسات) الكاز، ويطبخون على البابور.

كنت وقتذاك أحل وظائفي وأراجع دروسي على ضوء السراج. أصغي السمع جيداً علنّي أسمع صوت إنسان أو عواء كلب أو مواء قط، زخات رصاص تغتال عتمة الليل البهيم، أو صوت انفجار. لا شيء سوى هسيس الصمت. أفتح النافذة رغم برودة الطقس أطل برأسي منها ولا شيء سوى ظلام دامس يغشى الشوارع والبيوت المهجورة والرياح التي كانت تعوي بشراسة. جالت الفضاء هذه الليلة خرساء وبهدوء تام.

 وحدي أعيش في هذا الضياع، أسحب من لفافتي وأنفث دخانها بضجر، أحاكي نفسي علها تواسيني في هذه العزلة، تبتسم ببله وأسى وتشيح بوجهها عني وتغوص في بحر آلامها الطارئة. جلت بناظري في صالون البيت حيث أجلس، هناك على تلك الكنبة كانت تجلس ابنتي الصغيرة كوثر تشاهد التلفاز وبجانبها مريم التي ما فتئت تثرثر بين الحين والآخر معلقة على مقطع شاهدته. وفي الغرفة المقابلة كانت هدى قد وضعت سماعات على أذنيها موصولة بالمبايل. بينما كان صوت ابني من شقته الملاصقة، ينادي زوجته لترضع الصغيرة (لَمارْ)، وفي الغرفة التي خلفي تماماً كنت أسمع شخير زوجتي يصل إلى مداه الأقصى ولا يهدأ إلا بعد أن تتقلب بالفراش. هربوا بعد أن بدأ الرصاص يئز في الحي وخرشت رائحة البارود الأنوف.

البيت خال ولا أحد سواي، وحدي في لجة السكون. البناية خالية تماماً والحي مهجور، ولا أحد في هذا الليل الطويل الذي يشبه الموت سواي. كنت أتمنى أن أبقى وحيداً بضع ساعات، عدّة أيام، ولكن ليس إلى حد هذا الصمت الكئيب. المرة الوحيدة التي عشتها وتشبه الوضع الآن هي عندما سجنت في زنزانة صغيرة منفردة ليلة واحدة فقط. ولكن كنت أسمع في فترات متباعدة وقع أقدام الحارس أو مفتاح (يسرك) في باب زنزانة. حاولت أن أنام لكن كانت جفوني تأبى أن تطبق وكأنها تواطأت مع سلطان اليَقَظَة. تجاوزت الساعة منتصف الليل وبقيت وسط هذا الهدوء المنبعث من سراديب القبور.

فجأة أنقذني من هذياني وهلوساتي دبيب خافت أتى من الغرفة المقابلة أصغيت السمع وحدّقت النظر الذي بدأ يفقد بريقه، حتّى أطل برأسه يتهادى بثقة من شدّة انتفاخ بطنه، كان فأراً، ربما خرج من جحره ليشرب ماء من بلوعة المطبخ، تابع سيره بينما كنت استرخي، وأبتسم بعدما شعرت أنني لست وحدي.

(اعذروني إذا كنت قد استرسلت، فقد استغل قلمي بوح ذاكرتي وخط هذه الكلمات).

العدد 1194 - 15/04/2026