الوجود… والعدم
عندما تخرج الوردة من تحت التراب، وتتنفس الهواء، وتلامس أجنحتها أشعة شمس الصباح، فإن حالة غربية تحدث لها، فها هي ذي تتلون.. وها عي ذي تصدر عطرها دون أن تنتظر أجراً من أحد، وها هي ذي تكبر وتكبر لحظة بعد لحظة.. ويوماً بعد يوم.
كل ذلك يحدث لها رغم أنها نبتت بين عناصر جامدة، غير حية، فلا لون للماء الذي سقاها، ولا طعم للتراب الذي سكنت فيه، ولا رائحة للهواء الذي منحها رئة جديدة تستمد من خلالها أنفاسها وترسل زفيرها عطراً يعطرها ويطيب الأجواء من حولها.
إن الأشياء غير الحية التي تعيش معنا ومن حولنا، قد تكون أحياناً كثيرة أشرف وأهم، وأقدس وأبقى من الكائنات الحية التي نحيا معها ليل نهار، وربما نسكن إلى جانبها تحت سقف واحد، ورغم وجودنا هذا تظل غريبة عن أرواحنا، بعيدة عن قلوبنا، فلا يصدر عنها إلا التذمر والزعيق، والضجيج والعواء والثغاء، والفحيح والنقيق، والزفير المملوء بسم يخدر، ويقتل ببطء.
إن الحياة وردة، ولا بد من وجود أشياء رهيبة، قاسية وسامة إلى جانب تلك الوردة الناعمة، العطرة.
ألا نجد تحت أوراقها عناكب مفترسة، وحشرات لاسعة، وأشواكاً تنغرز ولا تنكسر، تميت وتبقى حية؟!
وإذا كانت الحياة هي الوجود، فالعدم هو كل ما يعيش ويحيا ويتآمر تحت أوراقها وأزهارها، من ناس وعناكب وحشرات زاحفة.
ومن غرائب وعجائب هذا العالم، أن الحياة لا تستمر من غير كل أولئك الذين يعيشون تحت أغصانها، فهم أحياناً يحملونها ويرفعونها دون أن تكون غايتهم أو قصدهم الحمل والرفع، وأحياناً كثيرة نجدهم ينزلونها ويشدونها إلى أسفل عن قصد وتصميم.
الوجود الحي لا بد له من الالتقاء مع العدم الميت، فالوجود هو النهر، والعدم هي الحجارة التي تمر فوقها مياه النهر، أو العلب الفارغة والأوراق الميتة التي تطفو فوق سطح النهر.
فالوجود هو الماء، وهو واحد لا يتغير ولا يتبدل، والعدم هو كل ما يحيط بالماء أو يطفو فوقه، وهي أشياء كثيرة، وأحياء عديدة.
إن اختلاف عناصر الطبيعة وعدم تشابهها، لا في القوة ولا في الحجم، ضروري لتكملة النواقص، وسد الشقوق، وترميم المهترئ المتداعي.
والبيوت والقلاع، والقصور، وكل بناء، وكل مغارة، وكل كهف قد بني من أشياء صلبة، وحجارة ميتة، سوف تبقى جميع تلك الأبنية العالية عدمية، وخالية من العطر ما لم يسكنها الوجود من ورود ومن ناس ومن أشجار تحيط بها.
وكأن الحياة لا تكتمل وتستمرإلا باتحادها مع الجماد، والعدم مع الوجود، وذلك أن أي نقص أو غياب لأي عنصر من العناصر غير الحية من حجارة وتراب وصخور وضوء وهواء، قد يؤدي إلى خراب الدورة الدموية للحياة وإصابتها بهشاشة العظام، وفقدان التوازن.
تشبه الحياة كثيراً آلة البيانو…
مفاتيح سوداء.. وأخرى بيضاء…
حزن وكآبة.. سعادة وفرح..
عدم.. ووجود..
المفاتيح السوداء هي العدم، والمفاتيح البيضاء هي الوجود، ولا بد من العزف على كليهما من أجل خروج لحن الحياة.
إن الحياة كأمنا الارض.. وردة كروية كبيرة، دماؤها الينابيع، ووجهها الشجر، وصوتها الريح، وعيونها النجوم، وسواعدها الصخور، وقامتها الجبال.
حجارتها وصخورها وترابها وأشواكها تحمي بقاءها وخلودها، عدمها يمسك وجودها.
فلا يمكن للشجر أن يبقى ويكبر ويرتفع إن لم يحتض التراب جذوره، ويستحيل على الأنهار أن تجري إذا لم تحفظ الصخور مياهها وتحمي الحجارة مجاريها حتى تصل إلى المحيط.
صمت هو العدم، وصوت هو الوجود، والصمت ضروري لسماع الصوت، مثلما الضوء حاجة لرؤية العين.
العدم والوجود
كل يكمل الآخر.. وكل يحمل الثاني ويحميه، من حيث يدري، أو لا يدري..
وألف شكر للعاملين، والمدققين في جريدة (النور) العزيزة.. حيث يندر جداً وجود أخطاء مطبعية أو نحوية، رغم أن بعض المواد تصل إليها بخط اليد.