أكثر من عنف…أقسى من حرب

 العنف ضدّ المرأة هو جزء من حالة العنف العام الذي يعود منشؤه إلى الصراع على الثروة والسلطة تالياً. العنف يمارسه القوي ضد الضعيف لإجباره على التنازل عن حقوقه أو بعضها، ثم مع مضي الوقت على الواقع الذي فرضه العنف يصبح هذا الواقع اعتيادياً ونمط حياة، وتُسنّ القوانين والشرائع التي تكرّسه وتحافظ عليه، وتعتبر أي محاولة تغيير تمرداً وخروجاً على القانون يجب قمعه ووأده من قبل المنتصرين الأقوياء، وتصبح أي محاولة من الطرف الضعيف والخاسر لتغيير هذا الواقع أمراً غير مقبول ومخالفاً للأعراف والمنطق المكرّس، وتعود دورة العنف حتى يتمكّن الطرف الخاسر والضعيف من خلق موازين قوى جديدة تُعيد ترتيب الأمور بما يتوافق مع هذه الموازين الجديدة ليُعاد الحق كله أو بعضه إلى نصابه، وهو ما تفعله عادة الثورات أو الانتفاضات أو الحركات التي تنظم صفوف المظلومين والمقهورين لنيل حقوقهم.

ومن أبرز أشكال العنف الظاهر والمستور، العنف الطبقي الذي تمارسه الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج ضدّ الطبقة العاملة، ثم يليه في الأهمية والحجم العنف المُمارس ضدّ المرأة أيضاً بشكليه المستور والسافر، مُضافاً إليه القهر الطبقي الذي يُشاركها الرجل في  التعرض له طبعاً. تعيش سورية عنفاً غير مسبوق منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في 15/3/2011 يشغل العالم كله، حرباً لم تسلم منها معظم مناطق البلاد وأهلكت الحجر والبشر.

وكان للمرأة الحصة الأكبر من نتائج هذا العنف المستشري ومتعدد الأشكال والتجليات، فبالنسبة للعمليات القتالية التي تجري ضمن المناطق السكنية يكون الرجل إمّا مُساهماً فيها مع أحد الطرفين وبالتالي مُمارساً للعنف، أو أنه يضطر للهرب من هذه المناطق لأنه سيتعرض للتهديد والاتهامات إن لم يدخل أتون الحرب المجنونة، مما يترك النساء والعجائز والأطفال تحت رحمة القنابل والرصاص والمفخخات، وهنا تحمل المرأة العبء الأكبر لأنها القادرة الوحيدة على الحركة وتأمين ما يمنع عن الأطفال والشيوخ غائلة الجوع والأمراض بأي طريقة في ظروف القتل والقنص، ومشاهد النساء اللاتي تعرضن للقتل وبأيديهن أكياس الخضار أو الخبز كثيرة جداً في مناطق التوتر.

ثم تأتي نظرة بعض التنظيمات الإرهابية الأصولية، المسيطرة على أجزاء كبيرة في المناطق الشرقية وبعض مناطق الشمال والجنوب، إلى المرأة كأداة للمتعة وتحقيق نزوات (المجاهدين) عبر فتاوى ومبررات شرعية يوجدونها لأنفسهم، سيفاً آخر مسلطاً على النساء، والفتيات خصوصاً، إذ تبقى المرأة تعيش حالة الخوف المزمن من تعرضها لاغتصاب (شرعي) من هذه الجماعات الظلامية المتخلفة، فيما تتعدد حالات الاغتصاب في جميع مناطق الصراع من قبل حملة السلاح. ولسنا في وارد التفصيل في الآثار النفسية والجسدية التي يتركها الاغتصاب على المرأة.

في مناطق النزوح (المناطق الآمنة) تكون معاناة المرأة أيضاً هي الأكبر والأقسى، بسبب غياب الرجل في الغالب، وحتى في حال وجوده لا يستطيع وحده تأمين متطلبات المعيشة، فتجد مئات النساء يقفن منذ الصباح الباكر على أبواب مراكز الهلال الأحمر أو الجمعيات الخيرية لاستلام الإعانات الشحيحة التي لا تفي بحاجات العائلة لكنها تسدُّ زاوية منها، وأمام أبواب المخابز والمؤسسات الاستهلاكية وغيرها لا تجد سوى النساء غالباً يقفن لساعات طوال لتأمين حاجة عائلاتهن من لوازم المعيشة.

وهنا أيضاً تتعرض كثيراً للابتزاز من قبل المتنفذين لتحقيق مآربهم منها، حتى يؤمنوا لها بعض متطلبات المعيشة من سكن وغذاء وموافقات وحماية . ..الخ. وما إن تعود من رحلتها الشّاقة حتى تنهمك في الأعمال اليومية المطلوبة منها من تنظيف وطبخ وتوضيب وحتى تعليم الأطفال…

الحرب جعلت ما كُنّا نتحدث عنه من عنف بحق المرأة قبلها مجرد تفاصيل نافلة، كعنف الأسرة على الفتاة وإجبارها على الحجاب مثلاً أو تزويجها وهي قاصر، أو العنف الجسدي الممارس عليها من قبل الأهل ثم الزوج، والعنف الجنسي الذي تعيشه كثير من النساء بصمت في غرف النوم….الخ.

هذه الحرب القذرة التي تبدو بلا نهاية ستنتهي حتماً، حينذاك ستكون المرأة هي البطل الأكبر الذي خاضها، وصمد، وصبر، وتحدى كل القهر والعنف والأذى، لتحمي أطفالها وعائلتها مما أمكن من شرور الحرب وآثامها الكبيرة والكثيرة على حساب راحتها وروحها وجسدها.

العدد 1195 - 23/04/2026