الريح… جسد العاصفة
ليس العظماء والمبدعون إلا أولئك الذي استطاعوا بمواهبهم تحويل جراحهم إلى ورود، وأحزانهم إلى فرح، وظلام مسكنهم إلى نور، وقهرهم الدفين إلى ينابيع ماء، وفحمهم الأسود إلى جمر ونار.
أولئك العظماء الذين انقلبت الريشة بين أصابعهم إلى سنابل قمح، وتبدلت أقلامهم من خشب إلى فولاذ، فأنتجت فوق تربة الورق بذاراً سليمة خالية من النخر والسوس.
نرى كيف تصبح أوراقهم حمامات بيض، وأصابعهم رايات مرتفعة، وأوتاراً تخرج من كمان الحياة ألحاناً رائعة، تبقى في القلب والروح حتى بعد توقفهم عن العزف.
ليست الريح إلا جسد العاصفة، وليس العطر إلا روح الوردة، والنار نبض الحريق، والجذور ليست إلا الوجه الآخر للشجر.
ولا صحة للعقل إلا بالقراءة، ولا ربيع للجسد إلا بتكاتفه مع الآخرين لفعل الخير ونشر المحبة، ولا عطر أجمل وأحلى من عطر الصداقة والوفاء، ولا أسلم لفتح القلوب القاسية من الكلمة الطيبة، ولا يُقتَل المرء إلا بطول لسانه، والتدخل فيما لا يفهمه أو يعنيه، ولا نجاة للعاقل إلا بضبط أعصابه والصمت في مكانه.
وليس ملح الأرض إلا العمل فيها، ولا راحة للروح إلا بنقاء ضميرها، ولا ثروة تعادل الأخلاق الكريمة والصيت الحسن.
وغير صحيح أن كل الجبال العالية تحمل ثلوجاً، كما أنه ليس جميع القامات الضخمة المكتنزة باللحم والعظم تحمل عقولاً كبيرة واعية، ولا كل الصحارى خالية من الماء، ولا جميع المطر يسقط على أرض محددة، ولا حياة الثعلب كحياة الصقر، ولا عيش الأفاعي والعقارب كعيش الطيور والفراشات، ولا منظر الغزال كمنظر الخنزير، ولا صفاء العين قد يعبر بالضرورة عن صفاء النوايا!
ولا تقوى الحلقة الضعيفة إلا بانضمامها إلى أخواتها من الحلقات الأخرى، فتقوى بهم بعد أن كانت مريضة وهشة بانعزالها ووحدتها.
وليس كل من ركض وصل، ولا كل من قال فعل، (ليس كل من تنبح عليه الكلاب لصاً، ولا كل من صحب الأخيار اهتدى بصحبتهم).
ولا كل من جلس فوق كرسي كبير عال صار حكيماً وذا قيمة، فالتاج المذهب والمرصع بالألماس والياقوت لا يمكن أن يبدل من طبع الخنازير أو يغير من رائحة الضبّاع إذا وضع على رؤوسها.
هناك في الحياة من هم دون مستوى الحياة، قد يملكون كل شي إلا الذوق والأدب، وبالمقابل نجد فيها من لا يملك سوى قوته اليومي، ومع ذلك نجده قادراً على توزيع الأدب والأخلاق على بلد.