أوف… أوف

ليس ألماً ولا تأففاً يصيح المغنّي، ليس حزناً ولا أسفاً على شيء بعينه، هو اكتشاف يتجدد، وربما يجدد نفسه، اكتشاف أن الطبيعة ناقصة دون غناء، فيأتي المغنّي ليكمل النقص. وهو الشعور السحري بأن الإنسان ليس مفرداً، ولا يمكنه العيش بمفرده، هو صرخة الاتّحاد بالطبيعة الأم، وهو الاكتمال في درجته العظمى، حيث لا يكتمل شيء في غياب جزء من أجزائه. لذلك تأتي (الأوف) تعبيراً عن اندهاش يتجدد كل موّال، وانبهار من لحظة الخلق الأولى وقد تأخّر صعقها قبل الوصول إلى اللهاة.

والمغنّي لا يستغرب حين تردّ أمه الطبيعة مرجعة صدى صراخه، بل هو يستغرب إن لم يحصل ذلك. فمن الطبيعي أن تجيب أمّ عن أسئلة أبنائها، وأن تُرجع أصداء النداء بين التفافات الجبال وانسرابات الأنهار. الطبيعة فقط تدرك أحزان الناس وأوجاعهم، وهي وحدها تقرأ وتحلل بصفاء كلّي رغبات الناس وهواجسهم، فهم الجزء الذي كان غائباً، وأعاده موّال جبلي للالتصاق بالأصل فتكتمل الصورة، ويصفو المشهد ويستقر.

هي الأوف، نداء يختصر ما يجيش في الأعماق من فرح وعشق ورغبة بالانطلاق لا تعادلها رغبة، وهي استغاثة لما يلحق بالروح من أذى، وهي استحضار لأحزان العالم كلها. ربما يستطيع المغنّي محوها بموّال، أو يضمّد بعض الجراحات. فهو الحكيم العييّ، وهو الناصح المتعَب بأوهامه.والأوف حين تتكرر بتواتر، يمتدّ حيناً ويقصر حيناً، هي انعكاس لقلقٍ دائم يفاجئ المغني كلّ استغاثة ليجعله الموال بحدّ ذاته، يختلط المغني بمواله ويذوب في كل أوبة من فرح عابر، ليصطدم بحزن أعمّ وأشمل، فيتمايل الرأس بأسى، ويشاركه مستمعوه الحالة ذاتها. هو اندماج كلّي بين مفردات المكان من بشر وشجر وطيور وغناء، وكأن الحالة تنتقل بالعدوى، كما ينتقل الصوت عنوة عن كل شيء، فليس بمقدورك إلاّ أن تسمع، وأن تتمايل، وربما تغنّي لاعناً حظك على صوتك النشاز.

هو الصوت البشري يتفوّق على الأصوات كلها، فتأتي لخدمته. الناي والرباب، أصوات الرياح وحفيف الأشجار انعكاس طبيعي لحركة الكون، لكنها تشكل في اجتماعها محفزاً لحنجرة المغني، فتطرح أنغامها مواويل وعتابا. وهو السابق في قراره بالمشاركة لتكتمل الصورة، وتتوالد الحالات من بعضها، وتتراقص الأشياء على أنغام حزن، أو فرح بشري عارم. ولولا طغيان الحالة لما خرج موال، ولا (رندحت) عتابا، لما صفرت ريح ولا صوّت غصن، لما رفّ جناح ولا خرجت زقزقة.

في الغناء تظهر صفوة الأشياء، تخرج عابرة كوناً بأكمله لتندمج في وحدة مكثفة إلى آخر حدّ، ربما لأن الله أراد أن يبدي حبه للغناء، فأوحى إلى تلك المفردات بالخروج وبالاندماج، هي قدرة كونية لا يعرف سرّها إلاّ من عاشها، ومن تمايل ودخل حالة العشق نفسها، دون أن يفكّر. ولو أنه فكّر مليّاً فقد يتراجع أمام قرارات ماديّة طاغية، تمنع الصدق من الوصول إلى المشاعر، ذاك الاندماج الكوني من الانفلات، ومن الظهور على هيئة فرح، بغضّ النظر عمّا يحمل من هموم، وأوجاع ومتاعب.

العدد 1188 - 25/02/2026