من «ضبائع» الاستبداد

هذا الخطأ اللغوي الواضح الفاضح  (في العنوان) محاولة لمزاوجة بين الضباع التي تنمو في ظلال الاستبداد، وكتاب الكواكبي الذي نبّه فيه  منذ قرن ونيف إلى أخطاره على الأفراد والجماعات وكان عنوانه:

(طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد

وهي كلمة حق وصرخة في واد

إن ذهبت اليوم مع الريح

فقد تذهب غداً بالأوتاد)

العنوان بحد ذاته لافت ومعبر، فالكلمة التي لم تجدْ من يستمع إليها زمن ولادتها، وقيل عنها صرخة في وادٍ لم تجد غير صدى بارد، هذه  الكلمة لم تمُتْ، ستنبت ذات ربيع في براري الحلم الندية، سيعود إليها أحفاد الناس الذين لم يلتفتوا إليها عندما قيلت، ويستضيئون بها، كما يغني الشيخ إمام من كلمات أحمد فؤاد نجم:

ارمِ الكلمة ف بطن الظلمة

تحبل سلمى وتولد نور

دور يا كلام على كيفك دور.

يقول الكواكبي:

(وأشد مراتب الاستبداد التي يتعوّذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية، ولنا أن نقول كلما خفّ وصفٌ من هذه الأوصاف، خفّ الاستبداد إلى أن ينتهي بالحاكم المؤقت المنتخب المسؤول فعلاً، وكذلك يخف الاستبداد  طبعاً  كلّما قلّ عدد نفوس الرعية، وقلَّ الارتباط بالأملاك الثابتة، وقلّ التفاوت في الثروة، وكلّما ترقّى الشعب في المعارف.)

في زمن كانت المعارف نادرة والجهل شائعاً والفقر بل الحرمان قاعدة والاكتفاء  وليس الغنى  استثناء، نبَتَ في أرضٍ وادعةٍ معطاءةٍ طاغيةٌ جبّار يملك الأرض وما عليها ومن عليها أيضاً… 

كان الباشا الصغير قد ورث من آبائه وأجداده هذه الأرض والناس والماء والكلأ، كما يروي الكبار للصغار، لم يكن أحد يعرف كم رأس غنم يملك سواه و الرعاة الذين يمضون سنوات عمرهم  هم وعائلاتهم  مع القطعان، ولا سلطة تحصي مساحات الأراضي الشاسعة التي يعود محصولها إلى بيت ماله، وإذا رضي عن أحد رجاله لأدائه الجيد في مقارعة خصومه وتفانيه في خدمته، كان يمنحه بضعة دونمات من الأرض، لكن عليه أن يدفع له راضياً مرضياً الحاصل (وهو عشر المحصول) كل موسم.. وهناك محاسبون صارمون لا يعرفون الرحمة يقومون بجباية الحاصل من هؤلاء عبر مئات القرى المنتشرة على سهوب خضراء.. وساعة يريد كان يجرد أي فلاح من أملاكه ويعيده قنّاً لا يريد من هذه الحياة سوى استعادة بعض رضا الباشا.

طبعاً كانت أداته في استمرار سطوته وسيطرته ماله غير المحدود وجيش من الفرسان الأشداء المخلصين المستعدين لمحو أي مجموعة أو فرد يشير إليهم الباشا الصغير من الوجود، دون أي سؤال أو استفسار عن السبب، وعلاقات محكمة قائمة على تبادل المنافع فيما بينهم، وتقاسم إضرار الآخرين مع مراكز القوى في الإمارة والإمارات المجاورة، ومع النافذين لدى السلطان… 

ذات ليلة شتائية باردة حلم الباشا الصغير  الذي لم يمض على تبوئه عرش الباشوية زمن طويل بعد موت أبيه  حلماً مزعجاً  جعله يستفيق من نومه مرعوباً، ويبقى ساهراً حتى الصباح، ويأمر بجمع المفسرين والشيوخ والفقهاء والسحرة والعيارين من أنحاء إمارته ليفسروا منامه، ليروي لهم أنه رأى فيما يرى النائم أفعى صفراء من تلك التي يسمونها قاهرة الفرسان، تخرج من زاوية غرفته وما إن تتحرك إلى وسط الغرفة حتى تنقسم إلى عدد كبير من الأفاعي التي تشبهها، حتى تحيط بسريره وتبدأ بنهش جسده حياً قبل أن تجهز عليه الأفعى الأم… وهو يصرخ برجاله وحراسه دون فائدة…

اتفق الجميع على قدوم خطر داهم على ملكه وسلطته من أطراف الإمارة القصية، وذكّره مثقف من الحاشية بكتاب لواحد اسمه ابن خلدون سماه (المقدمة) يقول فيها بزوال كل إمبراطورية أو ملك مهما بلغ من الطغيان عتياً… فطَرَدَ المثقف الضالّ على الفور وأمر بحبسه… ثم خلا إلى رجال الأمن ورؤساء العسس يستشيرهم، واتفق الجميع على زيادة مراقبة الناس في أنحاء الإمارة ومحو أي إشارة تمرد على سلطة الباشا ولو كانت في المنام.. وبدأت التقارير الكيدية تأتي بالمئات إلى السجون التي توسعت وكبرت وشملت حتى رعيان قطعانه والعمال الذين تقوم مزارعه على جهدهم.. فيما بدأ اقتصاده بالتدهور نتيجة مصاريف الأعداد الهائلة من العسس ورجال الأمن وزج كثيراً من الذين يقوم عليهم اقتصاد الإمارة في السجون، وأمات كثيرين منهم تحت التعذيب الوحشي… ولم يجد نفرٌ من الذين هربوا من أيدي جلاوزته بدّاً من تجميع قواهم والدفاع عن حقهم بالحياة في وجه جنون الباشا الصغير. .

وسميت ثورتهم حينذاك (ثورة الأفاعي) عبر وسائل إعلام الباشا الصغير ورجال عرشه، لتنفير الناس منهم أولاً، ولربط ما يحصل بنبوءة رفعوا إليها سيدهم على أن حلمه المزعج يتحقق بظهور هذه الأفاعي. .

وتروي سير التاريخ الشفوي أن ثورة الأفاعي قمعت بقسوة لا مثيل لها، وأريقت دماء الألوف، لكن لم تمض سنوات حتى اندلعت ثورة أفاعٍ جديدة أكبر وأشد، قام بها أولاد الضحايا الذين لم ينسوا دماء آبائهم، ولم يجدوا وسائل للعيش الذليل في إمارة أفلست وتدهورت أحوالها، الأفاعي الصغيرة كبرت وعادت المؤامرة  قالت أبواق الباشا  ، وكانت هذه الثورة الدموية نهاية عهد الباشا وبدء عهد جديد أدار الناس فيها أمور حياتهم بحرية وعدالة، حتى جاء باشا آخر بشكلٍ جديد وتسميةٍ جديدة ليعيد التاريخ سيرته الأولى…

العدد 1194 - 15/04/2026