دعموص(*) أبو الدنيا

قال لها: يؤجل البدوي عادة، شراء حاجياته، مما لا تنتجه البادية، إلى الربيع، حين تكون الخراف كبرت وسمنت. فيبيع عدداً منها في المدينة، ويشتري بثمنه ما يحتاج إليه بيته، من مأكل ومشرب وملبس، وقد يؤجل البدوي ثأره، متحيّناً الفرص، إلى أن تحلّ اللحظة المناسبة في المكان المؤاتي.. حسنٌ؟

قالت له: حسن.. وقد تلعب الأفكار برأس أحد الرعاة، وتنتحب الأشواق على حائط مبكى قلبه، فلا يستطيع صبراً، حتى يُسوّى الخلاف بين قبيلته وقبيلة هويته (مَنْ يهوى)، فيلقي عنه غطاء النوم، ويتلفّع غطاء العتمة، إلى حيث تتقلب ليلاه، على صقيع فراشها وجمر عشقها، فيسحبها من تحت سَجْفِ خيمتها، ويطير معها على جناحي الليل واللهفة، إلى حيث لا قبائل ترى، ولا سُجُف تحجب، مترنّماً بقول الشاعر:

نَسَّمْ هواها الغربي

صبّ قْهَوا يا نويّرْ

واللي ما لو هَويّهْ

عيباً عليه يسَيّرْ

حسن؟

هي: حسن.. كما يؤجّل مضطَهَدو العالم وعشّاقُه – حضراً وبدواً – تمردهم على مضطَهِدِيهم، إلى الوقت الذي تتقاطع فيه، أسفل ومنتصف الشروط الذاتية للثورة، مع أسفل ومنتصف الشروط الموضوعية لها. حسن؟

هو: حسن. وقد يحدث أن يُختَرق أحدهم، في إحدى وجائبه لجهة الجسد أو الكرامة أو العاطفة، فتنشقّ جنود نوازعه عن ضابطية احتماله، فإذا به يكسر يدي مخترقَه، وقد يدْق عنقه أيضاً. حسن؟

***

الفارق الأول بينهما في الطباع، أنه عجول يرى الدنيا فُرصاً وسوانح، إن لم يغتنمها المرء، فثلاثة أرباع حياته – إن لم تكن كلها – تذهب هباء.

بينما هي (أجُولة) ترى اجتراح السلامة والوصول إلى الغايات المأمولة، وغير ذلك من خير الأمُور وحَسَنِ الصفات، مرهونة معظمها، في أغلب الأوقات، في التأنّي والتروّي ولجم النفس.

***

ذكّرها ببدايات تعارفهما وأول قبلة اختلسها، من تلك الفُلّة المسلطنة على عرش التقاء، عاتق ميزان قامتها، مع منتصف أسفل العنق من الخلف، مع منتصف أعلى الظهر. منتهياً إلى القول:

لولا تلك القبلة (التي استعجلتُها كثيراً) حسبما وصفتها آنذاك، لما كانت علاقتنا هذه، التي نهنأ بها اليوم . حسن؟

وذكّرته هي بموقفها حينذاك، قائلة:

بل لولا محاصرتي انفعالاتي، وضبطي أعصابي ومشاعري، عن ردّة فعل متسرّعة، لانتهت علاقتنا عند تلك البداية . حسن؟

***

على الرغم من اختلاف الطبع والطول واللون والطائفة والمعارضة، إضافة إلى اختلاف قراءة أسباب الأزمة / الكارثة التي ابتليت بها سورية، وتداعياتها. واختلاف استقراء آلية الخروج منها، لدى كلّ من (صايل) و(صفاء)، فإن ذلك لم يكن ليفسد للحب ولا للحوار قضية بينهما، ولا حتى ليغبّر على نكهة الحروف في وجدهما عندما:

تغنّي له على طريقتها المقطع الأول من أُغنية نجاح سلام (كل العالم كلّن… لو حبّوني كلّن.. ببعد عنهن ما بحاكيهن.. وانت بحبّك قدّن كلّن.. قدّن كلن.. قدّن كلن…).

أو لمّا يداعبها مستقطراً سلافة وقع خفة دمها على أهداب مشاعره، مردداً عبارته الأثيرة لديها: (دعموص أبو الدنيا؟!).

 

(*) الدعموص: هو الطور الأول من حياة الضفدع الذي يتكاثر في المستنقعات والبرك ويكون على شكل مذنب ناعم صغير يدعونه في أريافنا (البرعط).

العدد 1190 - 11/03/2026