أحلام في الوقت الضائع

(1)

لا أريد في هذا الصباح وفي صباحات الأيام القادمات، أن أطلق النيران من بنادق الكلام، ولا من مسدس الأحلام والتمنيات، لأنني لم أستخدم هذا النوع من السلاح، خوفاً أن تختلط رائحة البارود برائحة الأزهار!

لا أريد في هذا الصباح أن أردّ على بعض التافهين الذين يحتسون المَرَق الفاسد، وينقبون في صفحات الاهتراء عن مجد يتلاشى بعد شروق الشمس، ويجفف صغائرهم الممهورة بأختام الحقد!

ولا أريد في هذا الصباح أن أمزّق أوراق زهرة، وأخسر رائحتها وطيب عطرها.. زهرة ظلت صامدة تفتح ثغرها للأحبّة، وترشق الابتسامات للصبايا اللواتي يلقينَ عليها التحية..!

 

 

(2)

أفكّر اليوم أيها السادة كيف تموت الأحلام، وهي أجنّة في تخيلات العشاق.. وأفكر كيف علَّق حلم عنقه في حبل المشنقة.. وعندما قرأت وصيته، التهم الحزن آخر ما بقي من أحلام في رأسي!

أحلام كالأمطار العاصفية الغزيرة هجرت أوطانها.. وأحلام أخرى غرقت في البحر، أو ابتلعتها الدوَّارات المائية.. وأحلام بلا آباء وأمهات، لم تجد مأوى لها، فغادرت الى جهة مجهولة، وانقطعت أخبارها حتى هذا التاريخ!

أتساءل كل يوم: لماذا يودع الفقراء أحلامهم؟ أعرف من ملامحهم الصفراء، أنهم لم يجدوا قوتاً وفراشاً وسلّة غذائية من المعونات الأممية!

لقد أصبحت الأحلام أيها السادة لملايين البشر، بلا هوية وجوازات سفر مزوَّرة.. يطرق أصحابها أبواب الهجرة (لعلَّ وعسى)، يحافظون على ما بقي في ذاكراتهم من فتات!

 

 

(3)

في هذه الليلة من الوقت الضائع ظهر للقلق قرنان.. تعب قلبي فنام ووضع رأسه على وسادة من ريش النعام.

استيقظت صباحاً على انفجار قذيفة قرب منزلي.. تنفست شهيقاً عميقاً، فتدفق الزفير محمَّلاً بمئة رطل من الآلام والأحزان!

في هذه الليلة كان القمر يتمشى على سطح الجيران حافي القدمين.. بَدت عليه مسحة ألم مشوب بالقهر.. وحينما فتح باب خزَّان المازوت وجده فارغاً!

وفي هذه الليلة وفي ساعة متأخرة، صفقت أذني معزوفة بكاء لرضيع جائع، كانت أنامله الناعمة تتلمَّس ثديي أمّه الجافين دون جدوى..!

وفي هذه الليلة وقبل صياح الديكة حاصر مسلحان حنجرتي، وتحوّل صوتي إلى حبّة كريستالية، فسرقاها وولّيا هاربين، بينما كانت زوجتي تطرد حلماً شرساً من رأسي، وتقدم لي ماءً بارداً..!

وعندما صحوت كانت أنامل الشمس تفتح النافذة، فدخلت وشربنا قهوة الصباح معاً..!

العدد 1195 - 23/04/2026