بين هلالين!
كيف السبيل إلى السعادة؟ ومن أين تبدأ؟ وما هو شكلها؟ وهل هي موجودة حقاً، أم ما زلنا نتوسلها من عدم سحيق ونخيط أسمالها الفاتنة من حلم ورغبة، توق وحاجة، كمال لا نهائي يشبه صوغ قصيدة مستحيلة؟!
دأب فلاسفة واجتماعيون وتربويون على أن يجدوا بالبداهات الطليقة، تعريفات ونظريات وأقوالاً تستبطن إجابات مضنية عن تلك الأسئلة الشاقة التي تشبه غوصاً في بحر عميق، وبحثاً في لوحة ناقصة عن سرها المصون، ولكي لا يكون الحرث في غير موضعه، ونسج عباءة من غيمة عابرة، ورقص في العتمة، يسأل ضمير (النص) ما المناسبة لاستدعاء السؤال عن السعادة؟ لعلها من قبيل الخفة التي لا تحتمل، إلا أننا نقبض على جمر أيامنا، وأن الشقاء قد أضحى حارس أيامنا، وأننا نشعر بعدم ما تسميه سعادة إذن فنحن موجودون، مهلاً ليس من الوجد بل من الوجود، عطفاً على (موجودون)!
فهل تبحث عما ينقصك، كأننا تتوسل فردوساً مفقوداً، ولا تدري بأن حافة الحلم لزجة ملساء، إن لم تجد التوازن الذي ينجيك!
صمت (الضمير) قليلاً، وهو يقلّب النظر في جملة أثارته حد الضحك: كيف تكون سعيداً في ستة أسابيع؟ وتواترت جمل أخرى: كيف تكون سعيداً في أسبوع، في خمسة أيام، في يوم، في ساعة!
ليتَ إنساننا المعاصر يعلم أن أقدم نص شعري مدوّن في التاريخ يتحدث عن شروط السعادة. جاء في الملحمة البابلية التي سبقتها أربعة آلاف عام من البحث، ربما مع الإنسان الأول، إذ يروي أحد نصوص الملحمة ملحمة جلجامش حديثاً لصاحبة حانة التقت جلجامش في طريقه للبحث عن سر الحياة والخلود، بعد أن رأى الموت يأخذ صديقه أنكيدو إليه، تقول تلك السيدة: (أما أنت يا جلجامش، فليكن كرشك مملوءاً على الدوام، وكن فرحاً مبتهجاً مساء، وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك، وارقص والعب مساء نهار، واجعل ثيابك نظيفة زاهية، واغسل رأسك واستحم في الماء، ودلّل الصغير الذي يمسك بيدك، وأفرح الزوجة.. وهذا هو نصيب البشرية).
ماذا لو قرأ إنساننا المعاصر هذه الشروط ألا تنقلب المفارقة ذاتها على ظهرها ضاحكة وهي تهجس: لعل ذلك شأن جلجامش فحسب!
أما نحن فمشغولون باختراع براءتنا الكاملة من كلمة باهظة الدلالة اسمها (السعادة)!
لكن العصافير ما زالت تبني أعشاشها بين أصابع الوقت، وما زالت ابتسامة زنبقة على كتف نهار آخر تذوّب هشاشة العالم، وما زالت الشمس ترسم على الحياة سمرة باذخة، والقمر لايبدي كسوفه لأحد، والطفل في حقه الحصري باختراع ضحكة العالم الأولى، وهي القصيدة لدى حالم، كسرة الخبز النادرة، كيف يصوغ الأمل شاعر عاشق، هل هي استعارة أن نكتب بالأمل لكي ننجو من فداحتها السعادة؟!
يقول الشاعر اليوناني الكبير (يانيس ريتسوس): حسبنا على الأصابع: بعد غد. نعم، بعد غد سيحل شهر نيسان، وظننا أننا سنجد إبراً ذهبية ولفائف خيوط في سلة الربيع، نرتق بها ضحكة الطفل ونزيل تجاعيد وجه الأم، ونرمّم ساقاً مكسورة وجمجمة مهمشة، هكذا كان الأمل).
وبالمقابل ما الذي حمل أحد أساطين النقد في القرن العشرين للفرنسي (بارت) على أن يقول بلذة النص، والنص الذي يهب الغبطة والمتعة، ترنيمة الحواس الداخلية وسمفونية المدركات، فهل أتاك حديث الوصال ليس للمبدع، وإنما للناقد. وعند بارت: (فإن ملامسة النص ليس بالعينين، ولكن بالكتابة، تحفر بين النقد والقراءة جرفاً، وهو نفسه ما تقيمه الدلالة بين حافة الدال وحافة المدلول). إذن فالنص سعيد لأن ثمة من يقرأه.
هكذا سنكتشف متأخرين ربما نقض حاجتنا إلى الذهاب لمدرسة تعليم السعادة، تلك التي التمعت ذات يوم في ذهن سوسيولوجي هولندي هو (روث فينهوفن)، ليعمل على افتتاح مدرسة لتعلم السعادة، وليحدّد كلفة الدروس للأغنياء والفقراء، مع تخفيض سخي للعاطلين عن العمل!
هل نصغي للنص، أو ندرك التفاتة لوحة لفنانها؟ وثمة روائي يشقيه بحث شخصياته عن السعادة لكنه يسعد لابتكارها لأساطيرها الخاصة، كما هو مبتكر أسطورته ككاتب، علها تبعثه من رماده إثر احتراقه بناره، فهل عنى الشاعر أدونيس ذلك، حينما صدحت ذاته في نصه (الوقت):
(يتقرّى) ناره المنطفئة، ويداري موته الجامح في صحرائه)؟!
تذهب المعاناة لمجازها فحسب، وأمام الموت يمكن أن تصير الأرض فردوساً، وحدها اللامبالاة تنتصر على الموت، وشحذ الأمل بخلاص الشرط الإنساني، ربما كان ذلك (وهماً جميلاً) ورثه سولجينيستين الروائي الروسي عن سلفه تولستوي، واعتقد به كثيرون ولعلهم صدقوه.
فهل نحن سعداء؟
وخشية أن ينقلب السؤال إلى ضده، والضد هنا ليس حسناً بالطبع، يصبح اللاسؤال هو السؤال الذهبي، حتى يدور الكلام حول (تيمة) ساحرة، ولنقل إننا في إثر اسم السعادة، جرياً على صنيع عالم السيمياء الإيطالي الشهير (إمبرتو إيكو) في اختيار (اسم الوردة) عنواناً لروايته الباهرة.
فمن رغبة إلى أخرى يمضي بنا اللاسؤال، فكم من شقي لم يدرك سعادته، وكم من سعيد لم يدر بشقائه، ولو بحثنا بين طرفي المعادلة العلاقة، لعثرنا عليها بوصفها لحظة تقيم في العبور، وترتحل في الاختراق، لكنها مثل شعلة تعجز الرياح أن تطفئها، أو كمثل نحلة لا تسأل لماذا تصنع العسل.