الإعلام ومسؤوليته تجاه أطفالنا

الإعلام اليوم وسيلة مهمة للتعبير والبوح بمكنونات الصدور والعقول، وهو أداة لنشر المخزون الثقافي والحضاري الذي تمتلكه كل أمة. وهنا تتمركز خطورة الإعلام خاصة إذا كان موجهاً إلى أطفالنا. فالطفل يستمد معارفه عن طريق حاستَيْ العين والأذن، ويتلقى بعفوية تامة ما ينقله إليه وهو أكثر استجابة من غيره لمعطياته، لذا علينا أن نعي الدور الخطير لوسائل الإعلام فهي تحدد وتوجه ميول الأطفال ومستقبلهم، فيظهر هذا التأثير بواسطة الرسوم المتحركة وما تحتويه من قصص خيالية وأبطال خارقين يستطيعون فعل أي شيء.

وقد حذر البروفيسور هان، أستاذ قسم الرسوم المتحركة من جامعة (سيجونغ) بكوريا الجنوبية، من خطورة هذه الرسوم المستوردة على عقول الأطفال وخاصة أفلام (والت ديزني) الأمريكية التي تمجد قيم الحضارة الأمريكية وتقدس سيطرة الرجل الأبيض وسيادته، وكذلك الرسوم المتحركة اليابانية المعقدة التي تشيع نظرة تشاؤمية للمستقبل. وعند مشاهدة الطفل لبطله المفضل، فإنه يرغب في تقليده وأن يتصف بصفاته فهو المثل والقدوة، كتقليد سوبرمان والرجل العنكبوت. علماً بأن هناك حوادث راح ضحيتها أطفال إثر محاولة تقليد هؤلاء الخارقين بالطيران والقفز من أماكن عالية وغيرها الكثير.

وليس هذا وحسب بل أوجد الإعلام مفارقة كبيرة بين المجتمعات التي يعيش فيها الطفل وبين المجتمعات الغربية، فقدم صورة مشرقة عنها من حيث الحياة الرغيدة والطبيعة الرائعة والحرية… إلخ، مما جعلهم يغفلون عن مساوئ هذه المجتمعات المادية والفكرية والاجتماعية. وعند المقارنة ترجح كفة المجتمع الغربي ليهرب إليه ويجد فيه ما يفتقده. فلماذا عجز إعلامنا عن ترسيخ أخلاق أمتنا وقيمها والانتماء إليها؟ وللأسف على الرغم من تطوره التقني إلا أنه بقي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالإعلام الغربي وبأساليبه مع عدم قدرته على بناء ذاتية وهوية خاصة به ليتحرر بها من هيمنة الفكر الغربي. فما زال يقدم صياغة غربية بلسان عربي، بدلاً من أن يقدم مبادئ وقيماً عربية أصيلة. فلم يعد الطفل يستطيع أن يحدد شخصيته وانتماءه. فالفكر الغربي مسيطر والواقع عربي بثقافته ومنظومة قيمه.

لذا فعلى إعلامنا أن يقوم بدوره الثقافي تجاه ناشئتنا من حيث اختيار الأصيل وتجنب الدخيل ونقبل ما هو مفيد ونافع وموثوق من معتقدات وقيم وأفكار. والعمل على غرس الفكر القويم في عقولهم وأن لا يكون أداة بيد الثقافة الغربية. فلا بد من تحمل المسؤولية لأن الإعلام يقوم بدور مساو لدور الأهل والمدرسة بل أكثر منهما، بسبب انشغال الأهل وتمضية الوقت الأكبر أمام التلفاز. ولتحقيق ذلك يتطلب وعياً وتفهماً حقيقياً لوظيفته الثقافية، إذ يستطيع أن يجذب الأطفال ويضمن مشاهدتهم ولكن ما الضرر بأن تكون المادة هادفة للعمل يداً بيد ليصبح الإعلام والأسرة والمدرسة منظومة تربوية هادفة تتجه في مسار واحد، ألا وهو بناء معارف وترسيخ وتأسيس قيم أطفالنا.

ولكننا لن نلقي المسؤولية كاملة على الإعلام، فعلى الرغم من كثرة القنوات غير الهادفة يبقى هناك متسع لبعض القنوات التي أخذت على عاتقها المسؤولية الإعلامية تجاه أطفالنا. وهنا يأتي دور الأهل لمراقبة أطفالهم واختيار الأفضل لهم.

إذا كان الإعلام قد غير مسارات دول، فما بالك بالتأثير الذي يلعبه بعقول أصحاب الصفحة البيضاء!.

العدد 1194 - 15/04/2026