ذات شتاء
كل شيء يوحي بأنني سأنتصر، كل شيء يوحي بأن الرجل المبتذل، الذي كان يعيش في داخلي يجهز نفسه للرحيل، لذلك حين وقفت ونظرت في المرآة المستطيلة ذات الزاوية المكسورة، ظهر الشيب برأسي كبقع ثلج مبعثرة، فتمنيت وقتئذ أن أستعيد صورة القمر حين كنت أنظر إلى السماء وهو يقدم نفسه إليّ كرغيف خبز يهرب من وهج النار، ويدعوني للسير برفقته حتى يبزغ الفجر.
حاولت جاهداً أن أصحح خط سيري وأنا أسير زائغ البصر مشوش الذهن، فكل الأشياء جانبي بدت تتحرك كالأشباح ما خلا امرأة كانت تسير بجانبي متثاقلة كفراشة هرمة فقدت بريق جناحيها، فتعالى صوت الرجل المبتذل في داخلي كعويل ذئب وحيد يشق سكون الليل وكرد فعل غريزي تملكني إحساس بدنو انتصاري، وتذكرت زوجتي يطولها الفارغ وملامحها القاسية وهي تدفعني بكلتا يديها خارج المنزل.
بعثرتني الطرقات مستسلماً لكابوس مرعب أثقلني ليلة أمس حتى وصلت إلى التجمع الكبير حيث انتصاري، وتقدمت مجتازاً الجمع الغفير كي أرى الموظف المخول، سيما أن غبش الظهيرة وتعرق الجميع أضاع علي فرصة التقاط ملامحه بدقة.
نهرني أحدهم قائلاً: ألا تستحي يا رجل أمامك امرأة!
لكني تجاهلت تحذيره بصفاقة لأنني وجدت مدخلاً لرأسي، فتأملته جيداً وهو منكبّ على ترتيب رزم النقود، وسرعان ما انشغلت عنه بتجهيز بطاقتي الشخصية وشكلتها بأمر الصرف وعادت عيناي تشردان بين وجهه ومهارة أصابعه وهو يعد النقود.
صار المشهد أكثر وضوحاً بعد أن التقط بطاقتي، فصهلت خيول انتصاري واكتسب وجهي لوناً نحاسياً ومهابة تحولت إلى عبرة وهو ينقدني المبلغ ليدفعني التجمع خارج كينونته، لأصطدم بالمرأة التي تسير على شكل فراشة هرمة فقدت بريق جناحيها، تلعثمت معتذراً ونظرت في وجهها قليلاً، ثم لذت بالصمت وعيناي تغرقان بالدموع عائداً إلى بيتي حصاناً يتهدج بالصهيل.