استهداف الصحفيين.. ويوم حرية الصحافة الحزين

هل الصحافة سلطة أم ميزان يراقب أداء السلطات التي اختزلها النظام المعولم والشموليات المزمنة في سلطة واحدة؟ وكيف تكون الصحافة صوت المهمشين والمقموعين والمحرومين من أبسط الحقوق الطبيعية في زمن الظلاميات والهيمنة والاستقواء والاستتباع المستحدث؟ ومتى تستعيد الصحافة دورها في جلاء الحقائق وإشهار الحقوق المضيعة ومساعدة العدالة في أن تكون منصفة ومحايدة؟

أسئلة مؤرقة لأهل الرأي وللإعلاميين والصحفيين في أرجاء الكوكب، وخصوصاً في المناطق الساخنة والدول المحكومة بأنظمة شمولية، وهي أسئلة مؤرقة للمؤسسات الصحفية واتحادات الصحفيين، وللمنظمات الحقوقية والإنسانية المدافعة عن حق التعبير، والمعنية بحماية الصحفيين وتمكينهم من الوصول إلى مواقع الأحداث وضمان حصولهم على المعلومات الضرورية لإضاءة الممارسات الجارية، وإماطة الأستار عن الجرائم التي ترتكب بحق المدنيين، وتنوير الرأي العام والهيئات الحقوقية المحلية والدولية بما يجري من انتهاكات وتطاولات، كي تتهيأ الفرص لوقف التجاوزات القانونية وجميع أشكال التعسف والعنف، وتقديم مرتكبيها إلى العدالة.

وكان متوقعاً أن تكون الوقائع في يوم حرية الصحافة المصادف في الثالث من أيار، مشجعة ومختلفة عما شهدته الصحافة في العقود الثلاثة الماضية، من تضييق وتكبيل وملاحقة وتصفية، إذ ظلت الأرقام تسجل سنوياً مصرع أكثر من 150 صحفياً، وتوقيف أكثر من ،400 وخطف العشرات وإغلاق العديد من الدوريات الصحفية. وتشير الإحصاءات التي ذكرها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في كلمته بالمناسبة، إلى مصرع 28 صحفياً في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، وتوقيف أكثر من 300 صحفي.. وإلى الشعور بالقلق لما يتعرض له العديد من الصحفيين في مناطق النزاعات، وفي الدول ذات الأنظمة الشمولية من ملاحقة وتضييق لهامش الحركة، ولإعاقة تمنعهم من الوصول إلى المعلومات أو توجيه تهم إليهم بالإساءة إلى النظام العام، تؤدي إلى إصدار أحكام قاسية بحقهم لكتم أصواتهم وترويع زملائهم.

وليس غريباً أن يكون استهداف الصحفيين في أماكن الصراعات وفي الدول التي تشهد أزمات حادة، وفي المناطق المحتلة هو الأكبر. والأزمة السورية المعقدة التي شغلت العالم كله شهدت مصرع عدد من الصحفيين واغتيالهم أو اختطافهم من جانب المجموعات المسلحة التكفيرية والإرهابية. ومن بين هؤلاء كتاب ومصورون ومخرجون ومرافقون للفرق الصحفية والإعلامية.. كما أن العراق، وأفغانستان، والأراضي الفلسطينية المحتلة، وأراضي ،48 والسودان، ونيجيريا، وتونس، ومصر، ودول الخليج كلها، وميانمار، وتركيا، وباكستان، والعديد من الدول في آسيا وإفريقيا، شهدت كلها مصرع صحفيين أو ملاحقتهم واعتقالهم أو خطفهم. والمشهد القاتم في الثلث الأول من العقد الثاني للألفية الثالثة المتصل بحرية الصحافة يعيدنا إلى أوضاع مشابهة قبل قرن، عشية الحرب العالمية الأولى عام ،1914 ويدخل العالم في توتر حاد وانقسام مفروض يخدم أصحاب المصالح وأقطاب الرأسمال.. وكأن هؤلاء المهووسين بالربحية والنفعية أياً تكن وسائل تحقيقها، لا يهمهم أن يُدفَع العالم إلى صراعات تدميرية وفوضى مسممة وظلامية ناكسة، مادام ذلك يخدم زيادة رساميلهم. وكل أذى يلحق بالصحفي، وكل تضييق على حريته في التعبير والتنقل إلى مواقع الأحداث، وكل منع لحقه في الحصول على المعلومات، هو أذى موجه إلى ضمير الشعوب والفئات المحرومة والمهمشة. وهو طعنة تصيب كبد الحقيقة وتشوه ميزان العدالة. ويوم حرية الصحافة في المنطقة العربية، هو يوم حزين، مثل كل الأيام المماثلة له منذ احتلال العراق عام 2003. وما يحزن أكثر أن هشاشة الأنظمة والاحتلالات التي أرهقت كاهل الشعوب العربية، وأشكال الاستتباع المذلة التي فرضتها قوى الهيمنة الإمبريالية والصهيونية، أضافت قيداً جديداً يكبل الرأي والتحرك للصحفيين، ووضعتهم بين نارَيْ القوى الظلامية والإدارات المحتلة، وأجهزة الأنظمة المربكة والمأزومة، بسبب ضياع هيبتها، والمذعورة نتيجة شعورها بالتهديد وباستحقاقات التغيير، وضياع امتيازاتها.

إن قتامة المشهد المحزن لا يجوز أن تمنع الصحفيين والإعلاميين من أن يستعيدوا مشروع الصحفيين النهضويين الأوائل، الذين (حرثوا الصخر وبلطوا البحر) على حد تعبير الروائي محمود الضعيف، وأسسوا دوريات ومنارات صحفية قوية الحضور والتأثير، ودافعوا عن حرية الرأي والتعبير بعامة، وعن الحريات الصحفية والإعلامية.. ولا يجوز إغماض العين عن الجرائم والانتهاكات وتضييع الحقوق أو إدارة الظهر للحقائق المهددة بالصلب أو بالتغييب.

العدد 1194 - 15/04/2026