حين تركنا الشجر… استسقاء متأخر
هكذا.. أمطرت بدمشق بعد غياب طويل…
صحيح أنه أقرب إلى (نفنفة) لكن المهم في الأمر أنه جاء أخيراً.. وردّدنا مع شيخ المعرة:
فلا نزلت عليّ ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
وعلى سيرة انحباس المطر، أتذكر قصة طريفة للأستاذ حسن. م. يوسف قرأتها في ثمانينيات القرن الفائت، عن فتاة تصر على مقابلة مسؤول كبير، وهي تدعي أنها تحمل معها سراً خطيراً يتعلق بالبلد وحياة الناس، هو سر انحباس المطر، ولن تبوح به إلا للسيد الكبير، ورغم إصرار المراتب الدنيا على محاولة استنطاق الفتاة عن هذا السر وإراحة المسؤول الكبير من عبء مقابلتها، إلا أنها أصرت ووصلت أخيراً إلى مكتبه، لتقول إنها لا تعرف سر انحباس المطر ولا أي سر آخر، فقط لديها طلب يخص أمها المريضة، وهي تعلم أنها لن تستطيع الوصول إليه إلا باختراع كذبة خطيرة كهذه لتطلب منه المساعدة..
نعود إلى سيرة المطر وسر انحباسه رغم توقعات المتنبئين الجويين والأرضيين ب (شتاءٍ قاسٍ آخر)، ويبدو أن الشتاء القاسي ليس بالضرورة ماطراً، فأول محرض للمطر هو الشجر، وقد قطعت أعداد هائلة من أشجار البلاد لتستخدم في التدفئة خلال عامي الحرب، مع انعدام المازوت وغياب الدولة عن مناطق واسعة، وحتى مع حضورها..كما أحرقت غابات عمداً من قبل أناس أصحاب مصلحة في ذلك أو نتيجة العمليات الحربية..
لكني أظن وبعض الظن ليس إثماً أن هناك سبباً أهم من ذلك يقف وراء استنكاف السماء عن ذرف دمعة على عطشنا وعطش أرضنا، وهو هذه الجبال الراسيات من الكتل البيتونية الصمَّاء التي تتشكل منها الحواجز، في شوارع المدن وساحاتها، في الطرقات الرئيسية بين المحافظات والفرعية، حتى بين القرى المتناثرة على امتداد مساحة البلاد تتكاثر هذه الكتل كالفطر، حتى إني أستغرب أن يستطيع معمل أو معامل تأمين الطلب المتزايد على هذه الكتل الصماء، في ظل الحصار وشحّ المواد وصعوبة نقلها!
كأنه لم يكف البلاد انتشار مناطق السكن العشوائي على حساب المساحات الخضراء في المدن الكبرى، وحتى في الريف السوري، في ظل انعدام تخطيط عمراني حقيقي يضع الخطط الملائمة لإيجاد مساكن تأوي الأعداد الكبيرة من الباحثين عن سكن، في بلد كان يعتبر في مقدمة بلدان العالم من حيث نسب التزايد السكاني، (نعم اطمئنوا أيها السيدات والسادة، هناك ما نتفوق به على معظم بلدان العالم وهو التناسل، ونفاخر به أيضاً!)، وغياب هذا التخطيط لا يعود إلى قلة خبرة ودراية الجهات المعنية بهذه المسألة (وهي غير الجهات المختصة، قدّس الله سرها)، بل إلى غايات في نفوس هؤلاء، من أصغر مراقب بلدية إلى رؤساء البلديات، إلى مسؤولي التخطيط العمراني في المحافظات والوزارات، لا أستثني منهم أحداً، على قول الرائع مظفر النواب..
صحيح أن الحواجز البيتونية لا تقضم الخضرة كما تفعل علب الإسمنت المشيدة على عجل، على حساب الشجر والخضرة، لكنها تزيد في شحوب وجه المدن، وأدّعي أن للطبيعة إحساساً يجعلها تشيح بوجهها عن الوجه المغبر للمدينة، وتتجه إلى حيث يغازلها شجر عاشق للماء، يحمله في خلاياه ويخرجه ندى وهواء منعشاً ويمد جذوره إليه حين يغيب قليلاً..
في نظرة تأملية إلى هذه المجسمات البغيضة أثناء سفري إلى دمشق من وسط البلاد، لفتت نظري للمرة الألف الكميات الهائلة لهذه البلاوي.. كتل فيها من البشاعة والذكريات الأليمة ما فيها.. وخطر لي للمرة الألف اقتراح على من سيتولى زمام الأمور بعد انتهاء الحرب، أن تُجمع في الساحات العامة ،بإشراف فنانين سوريين، لتصاغ منها بعض منحوتات الألم السوري الذي لن يمحى..
أيتها الكتل الصماء كم أكرهك!.. تجسدين قهرنا وعذابنا نحن السوريين الباقين بإرادتنا أو مكرهين أو طائعين… في قلب الوجع..كي لا تنسى الأجيال القادمة مجسمات العذاب هذه..
هي بعض.. بعض ما ذاقه السوريون خلال سنوات (الحيونة) العجاف..