قطاع الكهرباء خلال 2014 خسائر وصعوبات وزيادة في السرقات.. وخطوات لتدوير آلات المناطق الصناعية من جديد
ها هو 2014 يقارب على الانقضاء بما حمل من صعوبات معيشية واجهها المواطن السوري، واستطاع تجاوزها رغم صعوبة ظروفه المادية والاقتصادية، وكما ذكرنا سابقاً فإن من أهم الأزمات المعيشية التي واجهها المواطن هي أزمة الكهرباء، التي صنفها مراقبون من أكثر الأزمات تأثيراً على المواطن والاقتصاد المحلي على حد سواء، فكانت الكهرباء الشغل الشاغل للمواطن وللحكومة أيضاً خلال 2014 وأدت إلى إحداث تأثيرات جمة في أنماط الإنتاج والسلوك أيضاً، عدا الخسائر التي نتجت عنها.
الكهرباء التي تعدّ عصب الاقتصاد مثلها مثل المشتقات النفطية، وتندرج تحت مسمى حوامل الطاقة، والتي لها تأثير كبير في شتى مجالات الحياة والاقتصاد، صنفها مراقبون بأنها في أزمة حتى قبل انفجار الأزمة في سورية، أي أن تقنين الكهرباء وعدم سد فجوة الطلب على الكهرباء كان حتى قبل الأزمة السورية.. وجاءت الأزمة السورية وأثرت تأثيراً جمّاً على هذا القطاع الحيوي، وهنا سنلقي بعض الضوء على أهم ما واجهه قطاع الكهرباء وكيف أثّر على سائر القطاعات خلال 2014.
الكهرباء ما تزال مدعومة رغم كل شيء
في آخر تصريح لمصدر في وزارة الكهرباء أكد أن السبب الرئيسي لزيادة ساعات التقنين وكثرة الانقطاعات، هو أنه يلزم يومياً للتشغيل 20 مليون متر مكعّب من الغاز، يتوفّر منها 11 مليون متر مكعب، كما يلزم 15 ألف طن من الفيول يومياً، ويتوفر منها ألف طن فقط، ما أدى إلى انخفاض كميات إنتاج الكهرباء من 6500 ميغا واط إلى 1600 ميغا واط، (إذاً نقص الوقود هو السبب الرئيسي في زيادة ساعات التقنين وفق مصدر وزارة الكهرباء). وبالطبع وقود تشغيل محطات الكهرباء تشتريه الحكومة بالقطع الأجنبي، وخاصة الفيول، وهو مكلف كثيراً ويحتاج إلى شاحنات لنقل المادة إلى المحطات، وهذا من شأنه أن يكلف الموازنة العامة الكثير، وخاصة أن الكهرباء لا تزال مدعومة حكومياً للقطاعات المنزلية، وإن رفعتها الحكومة خلال 2014 بنسب معينة، حتى أنها رفعتها بنسبة 100% على مختلف القطاعات الاقتصادية، ولكن رغم كل ذلك لا يزال قطاع الكهرباء مدعوماً حكومياً، ذلك أن كثرة الاعتداءات على محطات الإنتاج وعلى خطوط نقل التيار الكهرباء تكلف الحكومة الكثير من المال، وهذا لا يدخل ضمن فاتورة المستهلك، بل تدفعه الحكومة من الميزانية، وهنا نجد مدى القدرة على الاستمرارية رغم شتى الظروف الحالية. فمثلاً في آخر إحصائية لوزارة الكهرباء عن الخسائر، فقد بلغت وفق ما أوضحه وزير الكهرباء عماد خميس 1268 مليار ليرة، منها نحو 268 مليار ليرة أضرار مباشرة، و1000 مليار ليرة أضرار غير مباشرة، بسبب دمار بمصادر النفط وأنابيب نقل الغاز التي تغذي محطات توليد الكهرباء.. وبالطبع الأرقام السابقة ليست بقليلة بل تعتبر كبيرة وخاصة في ظل الظروف الراهنة.
زيادة سرقة الكهرباء
وأدت أزمات المحروقات من نقص الغاز والمازوت إلى زيادة الاستجرار غير المشروع للكهرباء في شتى المناطق، وهذا أدى أيضاً إلى زيادة الأحمال على المحولات الكهربائية وزيادة الأعطال، وبالتالي زيادة ساعات التقنين الناتجة عن عمليات الإصلاح. وقد كشفت مؤخراً الشركة العامة لكهرباء دمشق، أن عدد الضبوط المنظمة للاستجرار غير المشروع وصل إلى 1026 ضبطاً، توزعت على الاستجرار غير المشروع المنزلي والتجاري خلال الشهرين الأخيرين، (والحديث هنا عن دمشق، فما هو الحال في مناطق الأرياف التي أصبحت سرقة الكهرباء فيها تجري في وضح النهار دون مساءلة وحتى بمساعدة بعض عمال الطوارئ لقاء بعض المبالغ المالية)، ومؤخراً أكد وزير الكهرباء عماد خميس أن الوزارة تسعى إلى مشروع للحد من سرقة الكهرباء وتحقيق عدالة التقنين بين المناطق.
توقف الورش الصناعية الصغيرة وخطوات حكومية لإعادة تشغيل المناطق الصناعية
العوامل السابقة ألقت بظلالها الثقيلة على القطاع الصناعي، وخاصة الورش الصغيرة والمتوسطة.. وقد ذكرنا سابقاً أن هناك العديد من الورش الصناعية تعطلت وتوقفت عن العمل نتيجة انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة بلغت أكثر من 16 ساعة في الكثير من المناطق وخاصة الأرياف، وهذا التوقف لأن الورشات الصغيرة لا تستطيع تحمّل أعباء توليد الكهرباء باستخدام المولدات التي تعمل على المازوت، ذلك أن أزمة المازوت باتت معروفة والليتر يباع بمبالغ غير معقولة، وكما قال أحد أصحاب الورشات: (الخسارة لا تساوي المربح في حال أردنا العمل على المولدات الكهربائية، فليتر المازوت مرتفع وأجور العمال أيضاً وتكاليف الإنتاج وغيرها).
وزارة الكهرباء وافقت مؤخراً على تأمين مخارج من المحطات ومراكز التحويل للمناطق الصناعية، على أن تكون هذه المخارج مستقلة عن كهرباء المناطق المدنية، وتعمل خارج برامج التقنين، بحيث تتم تغذية المصانع بالكهرباء اللازمة للإنتاج على أن يتحمل الصناعيون تكاليف هذه المخارج، وهذا من شأنه أن يعيد عجلة الإنتاج إلى العمل في المناطق الصناعية، ولكن ماذا عن الورش المنتشرة بين الأحياء السكنية والتي يعتاش من إنتاجها آلاف الأسر، والتي أيضاً لا يقل إنتاجها أهمية عن إنتاج بقية المصانع الأخرى، لأن هذه الورش تعتبر نواة الاقتصاد ومحركة لعجلته وقادرة على مكافحة البطالة أكثر من غيرها؟…
أكثر من ألف مليار ليرة خسائر الاقتصاد من قطع الكهرباء
أما من حيث تأثير أزمة الكهرباء على الاقتصاد فقد أفاد وزير الكهرباء عماد خميس مؤخراً، أن الأضرار غير المباشرة التي طالت الاقتصاد الوطني والناجمة عن قطع الكهرباء، بسبب تلف مراكز الكهرباء بلغت بنحو 1159 مليار ليرة سورية، محسوبة على أساس 50 ليرة سورية، قيمة الـكيلو واط الساعي غير المُخدم، ورأى مراقبون أن هذه الخسائر لم يتم سحبها على بقية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في شتى المناطق، ولم يتم سحبها على القطاع المنزلي والتجاري الذي تضرر تضرراً بالغاً من انقطاع التيار الكهربائي، وقد لفت خميس أيضاً إلى أن منعكس الأضرار يمس شريحة كبيرة من المجتمع السوري، على اعتبار أن أكثر من 90% من الكهرباء المستهلكة في سورية، هو استهلاك منزلي وخدمي وتجاري وصناعي. ولمسنا ارتفاع أسعار العديد من السلع، بحجة انقطاع التيار الكهربائي، وخاصة الحليب ومشتقاته واللحوم على مختلف أنواعها، ذلك أن انقطاع التيار الكهربائي يدفع إلى استخدام البديل وهو المازوت وغيره لإنتاج الكهرباء، وكل هذه التكاليف تنزل تحت خانة التكاليف ويدفعها المستهلك النهائي من جيبه.
القطاع المنزلي أيضاً تعرض لخسائر، وخاصة أوقات مونة الشتاء والتي تصنّع في الصيف، فقد أدى انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة إلى إتلاف هذه المونة، وبات المستهلك حذراً جداً في إعادة التجربة.
انتعاش سوق البدائل
أيضا دفعت أزمة الكهرباء إلى إنعاش أسواق البدائل كما يقال، فانتعشت أسواق المولدات انتعاشاً كبيراً خلال 2014 وارتفعت أسعارها إلى مستويات عالية، مع انتشار نوعيات رديئة في الأسواق وربما غير مطابقة للمواصفات، ولكن ما لبث أن خف الطلب على المولدات حالياً نتيجة رفع سعر المحروقات سواء المازوت والبنزين وبات السكون يعم أرجاء المدن والقرى إلا ما ندر، ولكن تساءل مراقبون عن كيفية دخول هذه النوعيات السيئة من المولدات إلى الأسواق وكيف يتم تسعيرها بأسعار مرتفعة جداً؟
أيضا أنعشت أزمة الكهرباء أسواق المدخرات والليدات رغم التحذيرات من أن الليدات قد تسبب أمراض السرطان وفق أبحاث نشرت مؤخراً، وقد تسبب العمى وضرراً بالغاً في شبكية العين، وارتفعت أسعار المدخرات على وقع الدولار، وأيضا الليدات وأصبح لا يخلو منزل من مولدة أو ليد ومدخرة (بطارية) مع انتشار نوعيات سيئة أيضاً منها.
المستهلك غيّر عاداته الاجتماعية، فلم يعد هناك سهر ولم يعد هناك متابعة للمسلسلات وحتى الأخبار، فالنوم باكراً والاستيقاظ باكراً هو الحل الأمثل له ولأسرته، حتى أنه غير في أنماط استهلاكه فبات لا يشتري إلا الغرامات القليلة من اللحوم وبات يبتعد عن المونة قدر الإمكان، وكان لكل ذلك أثر في الطلب على مواد معينة في الأسواق المحلية.
المواطن يأمل في 2015 أن ينعم بالكهرباء وأن يكافح الفساد
أخيراً الحديث عن الكهرباء له شجون ويطول، ولكن ما يتمناه المواطن خلال 2015 أن يحظى بنعمة الكهرباء على أتم وجه، وأن يكافح الفساد في قطاع الكهرباء وخاصة في مكاتب طوارئ الأرياف، ذلك أن عامل الطوارئ لا يأتي لإصلاح العطل إلا بإكرامية إجبارية لا تقل عن ألف ليرة، هذا إن كان هاتف الطوارئ يعمل أصلاً، وأن يحاسب الجميع سواسية في سرقة الكهرباء وليس (خيار وفقوس)، وأن يتم إصلاح الأعطال بأسرع وقت ممكن، لا أن تترك لأسابيع وأسابيع دون أن يهتم بها عمال الطوارئ، ونحن لا نعمم بذلك ولكن هذه بعض المشاهدات التي رأيناها مباشرة، ونحن على علم تام بأن عمال الطوارئ ووزارة الكهرباء تواجه صعوبات جمة لتأمين الكهرباء للمواطنين وخاصة في ظل هذه الظروف، ويستحقون الشكر على جهودهم.