الحوار أساس البناء
جاء في البيان الّذي أصدره الحزب الشّيوعي السوري الموحد بتاريخ 14 أيّار 2014م أهميّة إقرار نهج اقتصادي واجتماعيّ على المستوى الاستراتيجي، يقود البلاد إلى اقتصاد تعددي تنموي بقيادة الدّولة، ويضمن توزيعاً عادلاً للثروة الاجتماعيّة، ويضع حدّاً لنمو البرجوازية الطّفيليّة بشتى شرائحها ويُعلي قيم العمل الشّريف.
ما هو السّبيل الصّحيح لتحقيق نموّ اجتماعيّ صحيح في المجتمع؟
إنّ التّطور الاجتماعيّ في أيّ مجتمع يرتكز بالدّرجة الأولى على النّاس والمجموعات والجماعات والمجتمعات المحليّة والتّفاعل الّذي يتم بين النّاس بهدف تحقيق النّموّ الإنساني، وينطبق هذا على الميادين كافة: الصّحّة والزّراعة، تحسين الدّخل والعمل مع النّاشئة و النّساء والطّفولة الخ…
وليصبح لدينا نهج اجتماعي واضح وموّحد ضمن جميع الجماعات والمؤسسات والدّوائر، علينا أن نهتم بتنظيم حركة العلاقات الإنسانية ونضع معايير واحدة تضبط النّشاط الإنساني داخل جميع الهيئات والدّوائر، وهذا يتطلب بناء جسر حقيقي أساسه الثّقة والحوار بين النّاس، وهذا الموضوع لا يتحقق بقرار أو بتحريك عصا سحرية، وإنما كلاهما ينمو تدريجياً ومع الوقت، داخل المجموعات الصّغيرة.
إنّ مشاركة النّاس في تصميم حياتهم وفي كتابة تاريخهم الذّاتي، يعني أن يعبّروا بكلماتهم الخاصّة، لا بكلمات أشخاص آخرين، ولا يجوز الخلط بين إعطاء المعلومات والمشاركة. فالاجتماعات الموسعة الّتي يتم فيها نقل المعلومات المتعلّقة بالتّشريعات الجديدة والسّياسات العامّة وغيرها، مثلاً، لا تُعبّر عن مشاركة النّاس الفعلية، فالمشاركة تعني الحوار، والحوار يقوم على تبادل النّاس وجهات نظرهم حول مشكلة ما، وطرح آرائهم وأفكارهم، والحصول على فرص لاتخاذ القرار وصياغة التّوصيات.
ويؤّكد العاملون في الحقل الاجتماعيّ أنّ القضايا الّتي تواجه النّاس معقدة ولا يملك خبير وحده الإجابات كلّها. ومن ناحية أخرى لا يوجد من هو جاهل تماماً. فلكل شخص رؤية مختلفة مبنية على تجربته الخاصّة، ولكي نكتشف الحلول الصّحيحة وَجب علينا جميعاً أن نكون معلّمين وطُلاَّب علمٍ في الوقت ذاته، أيّ إنّها عملية تبادل.
لكي يصبح لدينا نهج اجتماعي إيجابي داخل المؤسسات والدّوائر نحن بالدّرجة الأولى بحاجة إلى تجاوز ثقافة الصّمت، وذلك يتطلب أن يكتسب النّاس الشّعور بالاعتزاز بالنّفس، وأن يثقوا بأهمية ما يفكرون به وأن يُعبّروا عنه ويتحاوروا معاً، وهذا أمر يتطلب وقتاً وتطبيقاً عملياً من قبل جميع المشاركين، وإيماناً صادقاً من قبل قادة المجتمع بقدرة النّاس على المساهمة في تغيير المجتمع. ولهذا يجب الابتعاد عن نهج اللّف والدّوران لأنّه نهج تلجأ إليه الدّول في تعاملها بعضها مع البعض الآخر، أو المؤسسات الكبرى المتنافسة، أمّا حين يصبح نهجاً في الحياة اليومية يتمثل بسلوك أفراد مجتمع ما، فإنّ الفساد والقيم السّلبية ستبني لها جذوراً عميقة داخل هذه الجماعة. لأنّ اللّف والدّوران يعني الكذب والخديعة وعدم احترام الآخر ولا تقدير آرائه، وبهذه الحالة نشرّع أبوابنا على مصراعيها لنعتنق الكذب قيمة عليا في سلوكنا اليومي.
لنبني نهجاً اجتماعيّاً إيجابياً علينا أن نتبنّى الحوار نقطة انطلاق أساسية في التعامل فيما بيننا، فالحوار يعني تبادل الأفكار والآراء والمشاعر بين شخصين أو أكثر، مما يؤدي إلى فهم مواقف الأشخاص العاملين معاً وتعزيز الاتصال فيما بينهم.
كما أنّ قيام حوار فعّال يتطلب:
1. أن نركّز على موضوع مُعيّن، لا على شخص مُحدّد.
2. أن نكون مستعدين، وذلك يتطلب الإلمام والمعرفة بما نرغب أن نقوله أو نُعبّر عنه.
3. التّأكد من أن تعابير وجهنا وحركاتنا مطابقة تماماً لما نُريد أن نقوله.
4. التّعبير عن أفكارنا فكرة تلو الأخرى.
5. أن نلخص ما نقول من وقت إلى آخر.
6. اعتماد الطّريقة الواضحة والمباشرة للتعبير عن أحاسيسنا وأفكارنا ومعلوماتنا وتحليلنا، بحيث نشدّ انتباه الآخرين إلينا.
7. ألا نقدّم نصيحتنا إلاّ إذا طُلبَ منّا ذلك.
كما أنّه من المعروف عندما يجتمع أشخاص من أماكن مختلفة داخل مؤسسة واحدة أو هيئة أو منظمة، فمن الصّعب منذ البداية أن يُشرك كلّ فرد الآخرين في أفكاره، ففي بداية عمل أيّ مجموعة يجد الغالبية أنّ الاستماع أسهل بكثير من التّحدّث، بينما ترى مجموعة أخرى أنّ الكلام أسهل من الاستماع، وهنا يكون دور قائد العمل النّاجح، بأن يبحث عن طرق تُساعد الصّامتين على أن يندمجوا ويتحدّثوا ويوضحوا للفئة الأخرى الّذين يتكلمون باستمرار أهمية أن يتيحوا المجال للآخرين ليعبّروا عن نفسهم.
كما أنّ قائد العمل النّاجح هو الّذي يملك رؤية واضحة وبعيدة المدى للسلوكيات الاجتماعيّة الّتي يعمل على زرعها داخل المجموعة المسؤول عنها، لأنّ أيّ خلل بسيط يترك آثاراً عميقة وبعيدة من المدى ومن الصّعب استئصالها بسهولة.
ومن الضّروري أن يملك أيّ قائد مجتمع القدرة على أن يُلزم جميع أفراد المجموعة الواحدة على مسار واحد، فلا يسمح للأغنياء وأصحاب النّفوذ بالسيطرة على الضّعفاء لتحقيق رغباتهم الّتي قد تكون في غالبية الأحيان لا تناسب الجماعة، أو تكون ضد المصلحة العامة، ومثل هذه الفئة تعمد إلى طمس الوقائع أو خرق القوانين ويعمدون إلى تخويف النّاس ليفرضوا رأيهم أو ليجبروهم على العمل وفق رغباتهم ومصالحهم. وبهذه الحالة يتشكل في المجتمع المحلي الواحد فئة من النّاس صامتة لا تُفكّر سوى بقوتها اليومي لا تهتم ببناء الجماعة ولا بأي يعمل تنموي يهدف إلى التّطوير والتّغيير.
يبقى السّؤال: من هم قادة المجتمع النّاجحون الّذين سيقودون التّغيير الاجتماعي نحو الأفضل؟!!
بالدّرجة الأولى يجب أن يكون قائد أيّ مجموعة أو مؤسسة أو هيئة من المكان ذاته المسؤول عن قيادته، وعليه أن يبذل جهده ليضع نفسه على قدم المساواة مع باقي أفراد المؤسسة أو الهيئة، كما ينبغي أن يتحدّث مع النّاس بعمله أكثر مما يتحدّث بكلماته، ومن المفيد لأي قائد ناجح:
* يجلس مع الجميع وليس منفصلاً عنهم ولا يُحدّثهم من وراء الطّاولة.
* أن يكون لباسه بسيطاً وأنيقاً يتناسب مع لباس الجماعة.
* أن يُصغي أكثر مما يتكلّم.
* ألا يقاطع، خصوصاً إذا كان أحد المشاركين يتكلّم ببطء أو يجد صعوبة بالتّعبير عن ذاته.
* أن يفتح المجال للنقد و يعترف بأخطائه، ولا ينكر أي هفوة تَبدر منه، باستخدام عبارة (لا أعرف).
* أن يكون منفتحاً ولطيفاً وأن يُعبّر عن الجانب الشّخصيّ فيه، وعن مخاوفه ومشاعره وجوانب ضعفه والأمور الّتي تُفرحه، الخ… لكي يهدم الحواجز بينه وبين المجموعة، دون مبالغة، بل أن يظهر على حقيقته من دون أن يحاول تزيين الأمور.
* أن يضحك مع النّاس، ولا يضحك عليهم.
* أن يُشجع الآخرين على أن يكونوا في المقدمة، وعليه، في الوقت نفسه أن يشجعهم لكي يعطوا الفرصة نفسها لكلّ واحد منهم.
إنّ ديناميكية المجموعة السّليمة تعني أن يشعر كلّ مشارك أنّه حرّ في التّعبير عن أفكاره، بل أنّ لديه الفرصة للتعبير والمشاركة وأنّه مستعد للإصغاء إلى الآخرين بجديّة.
كلّ ما سبق بحاجة إلى تربة صالحة للحوار الحقيقي، فلا يقوم حوار ما بغياب المحبّة الحقيقية والعميقة بين النّاس، فالمحبّة هي أساس الحوار وهي الحوار في آنٍ واحدٍ، وحدهم الأشخاص الّذين يشعرون بالمسؤولية، الّذين يصنعون تاريخهم الذّاتي، يستطيعون أن يشاركوا في الحوار الّذي لا يتحقق في ظلّ السّيطرة والخنوع، بل في جوٍّ من المحبّة.
المحبّة هي فعل شجاعة لا خوف، لأنّها تعني الالتزام بالآخرين، بالمظلومين حيثما وُجدوا، بالدّفاع عنهم وتبني قضاياهم، وهذا الالتزام يتجسد في الحوار، لأنّه ينبع من المحبّة.
المحبّة تعبير عن الجرأة والحرية، وهي لا يمكن أن تكون مراوغة. وإذا كانت المحبّة لا تقود إلى طريق الحرية فإنّها ليست محبّة حقيقية، وحين لا تؤدي إلى القضاء على القمع في وضع معين، فإنّها تبقى حلماً مفقوداً، وإذا كانت محبّة العالم والحياة والنّاس لا تملأ نفوس قادة المجتمع، فإنّهم بالتّأكيد لا يستطيعون الحوار.
إضافة إلى المحبّة هناك صفة التّواضع ليسمو الحوار ويكون بنّاءً. فكيف يمكن الحوار إذا كان قائد الجماعة يرى أنّ الآخرين جهلة ولا يفهمون وهو لا يدرك جهله؟!! كيف يُمكن زرع بذرة الحوار إذا كان قادة المجتمع يرون أنفسهم مختلفين عن الآخرين، فهم يرونهم مجرد أشياء؟!!
وما من سبيل للحوار ضمن فئة من النّاس تعتبر نفسها ضمن جماعة الأتقياء المميزة الّتي تمتلك الحقّ والمعرفة دون غيرها من النّاس؟!!
عندما نتعامل فيما بيننا، لا نكون أُناساً جهلة بالمطلق ولا حكماء بالكامل، بل نحن مجموعة نحاول معاً أن نتعلّم أكثر مما نعرف الآن، والهدف الأساسي هو بناء مجتمع أفضل لديه سلّم أخلاقي متين.