التربية الذهنية ضرورة مُلحة للنهوض بالإنسان والمجتمع

تنهض المجتمعات الإنسانية وترتقي بوجود أفراد متحررين من كل عقد الكبت والتقييد والتسلط، منفتحين على الحياة والآخر بذهنٍ متّقد ومحب للعلم والعمل من خلال التعاطي مع كل الأوجه والأنشطة في العلوم المختلفة.

والمجتمعات هي مجموعة أفراد تلقوا أنماطاً متعددة ومختلفة من التربية تؤهلهم، ولا شك، للقيام بمهام ومسؤوليات التطور والتغيير، وربما تقمعهم هذه التربية أيضاً فتنتج مجتمعات خاملة غير قابلة للتفاعل والتعاطي مع مستجدات الحياة والواقع. لذلك نجد أن نوعية التربية التي يتلقاها الأطفال ابتداءً من البيت وانتهاءً بالجامعة هي التي تحدد سمات هذه المجتمعات وتطورها، وبالتالي تطور البلدان ورقيّها، فمفتاح النهضة والإبداع يملكه الآباء والمربون وكل من له سلطة ما على الطفل أو اليافع، مفتاح عنوانه صناعة العقل والفكر القائمة على تغذية النواحي العقلية والذهنية بمساواة تامة إن لم يكن أكثر مع تغذية الجسد، لأن التفكير الحقيقي والفعّال يُربى ويتغذى كما يُربى الجسد، وإن أي إهمال لذلك ستكون عواقبه فظيعة يترتّب عليها مستقبل المجتمع كله. وما أثار استغرابي أنني أثناء بحثي عن مرتكزات أساسية لموضوع التربية الذهنية لم أجد المراجع الكافية والوافية بهذا الشأن، وهذا دليل على ضعف اهتمامنا، إن لم يكن انعدامه بتلك المسائل والموضوعات الهامة والحساسة في تربيتنا لأبنائنا، التي تعتمد فقط على خبرات وتجارب الأهل دون مراجع علمية وأساليب تربوية حديثة تنهض بنا جميعاً من سباتنا وتخلّفنا، مُكتفين فقط بالاهتمام بشؤون الإطعام والإكساء ومظاهر الدلال الفارغ من أي اهتمام حقيقي بعقل الطفل وذهنه المنفتح دوماً وبنشاط مكثّف لتلقي كل ما يرده من محيطه.

إن أهم مرحلة من مراحل عمر الإنسان هي مرحلة الطفولة التي يتشرّب خلالها الفكر والعقل كل ما يفدهما من مفاهيم ومعلومات تؤهل الطفل مستقبلاً لتأسيس آلية التفكير والتعاطي مع الحياة بعيداً عن كل المفاهيم والقيم البالية وعن جميع مناحي التسلّط العشوائي الذي يغتال كل إمكانية لانفتاح الذهن وابتعاده عن الخرافات والأوهام-لاسيما في النظرة إلى الآخر المختلف على كل المستويات-  التي ما زالت مُعشّشة في العقول.

يقول واطسون، أحد زعماء المدرسة السلوكية: بإمكاننا أن نقوي شخصية الطفل أو نحطمها قبل سن الخامسة.

وعليه، يمكننا أن نعي سرّ مشاكلنا المجتمعية المستعصية التي أدّت ومازالت إلى بقائنا في آخر ركب الحضارة الإنسانية على تنوّع مجالاتها، وأهمها كيفية التعاطي مع الآخر والاعتراف به. وهذا يتمثّل في تربيتنا الأسرية الصارمة والقائمة على تسلّط أبوي شبه مطلق يستند إلى أساليب تربوية بالية تعمل على  تعزيز وتدعيم المفاهيم والقيم المتوارثة بعيداً عن أي تجديد وانفتاح، عبر اغتيال أيّة محاولة من الطفل لتحريك هذا المستنقع الآسن تلبية لحاجات ذهنية تريد أن تتبلور وتنطلق به نحو فضاءات أرحب مما هو فيه، مكتفين بمظاهر خادعة من الحداثة في التربية تتجلى باقتناء أحدث الألعاب والتقنيات المستوردة التي تُبقي الطفل في حلقة مُفرغة وفارغة من أي نشاط ذهني وعقلي، بل بالعكس تعزز لديه الأنا والفوضى والعنف، متغافلين عن أنه في هذه السن تتجلى رغبة الطفل غير المتناهية في التعلّم وحب الاستطلاع والاستكشاف من خلال استعداداته الذهنية المتميّزة في خوض غمار المجهول عبر كل ما يقع تحت يديه ونظره، والأدلة على ذلك كثيرة وواضحة لدى الأهل، إذ يلجأ الطفل إلى تفحّص ألعابه وأشياء أخرى حوله محاولاً فتحها واكتشافها عن كثب، ولا يتركها إلاّ وقد سبر أغوارها ومكنوناتها، وهذا ما سيفتح أمامه الأفق رحباً ليكون في المستقبل إنساناً فعّالاً ومتفاعلاً في الاتجاهات والمجالات كافة.

غير أن هذا القمع الأسري التربوي ليس وحيداً في حياة الطفل، بل يُضاف إليه تربية دينية مستندة إلى معطيات زمن ولّى وانتهت صلاحية بعض مفاهيمه في زمن التطور والسباق بين الأمم للوصول إلى نظريات وعلوم تواكب احتياجات الإنسان والزمن الذي نعيش، وفوق كل هذا وذاك وجود مناهج تعليمية لا ترتقي إلى ذهن الطفل المنفتح دوماً، وأساليب ووسائل تعليمية مازالت مقيّدة في تعاطيها مع مهام التعليم ومسؤولياته إلى أزمانٍ تجاوزها أطفال اليوم.

لذا على الأهل والمربين أن يعلموا أن مرحلة ما قبل المدرسة هي من أهم مراحل التكوين الذهني للطفل الذي يبدأ وهو في سن الثالثة من العمر بالشعور بذاته، وبأنه مختلف عن الآخرين، وهذا ما يُشكل له أزمة يُطلق عليها العلماء أزمة استقلال الشخصية أو الشعور بالذات، إذ يحاول، بإلحاح، اكتشاف عالمه الخاص بخيال ممزوج ببعض الواقع المُستمد من محيطه العام، لتأتي ردود أفعاله غريبة وربما غير متوقعة في كثير من الأحيان، رغم أنه الوضع الطبيعي للطفل في هذا العمر، وهنا تعقد الدهشة ألسنة الأهل وتصرفاتهم الغافلين عن حقيقة النمو الطبيعي لأطفالهم وخصائص هذه المرحلة العمرية الحسّاسة التي هي مزيج من الخيال الخصب مع واقع بسيط، لذا تُعتبر من أهم مراحل التأسيس لمهارات التفكير العليا، إذ نجد أن فضول الطفل يزداد، وتكثُر أسئلته التي ربما لا يجد الكبار إجابة لها نظراً لأنها مزيج ما بين الواقع والخيال، وهنا كما يقول العلماء تبدأ المأساة الحقيقية في عمر الطفل العقلي، إذ يصطدم بردود أفعال الكبار من الأهل والمربين الذين لا يتقنون فن التعامل معه في هذه المرحلة، ردود أفعال تتجلى بالسخرية والإهمال حيناً، أو القمع والرفض حيناً آخر، في الوقت الذي ينتظر فيه هذا الطفل بعض نظرات الاستحسان المعبرة عن الإعجاب بالذكاء والتفكير الجيد، فإن لم يجدها تحوّل إما طفلاً منطوياً على ذاته، أو مكتسباً بعض العناد واللامبالاة التي تجعله مستقبلاً إنساناً غير مسؤول، وهنا تكمن كارثة مجتمعاتنا، وتتجلى بوضوح ركيزة تخلفنا في كل المجالات الفكرية والاجتماعية والعلمية والسياسية وحتى الدينية في مجتمع يعتبر نفسه متديّناً.

لذا علينا ونحن ندّعي أننا نخوض غمار التحوّل نحو مستقبل راقٍ ومتطور أن نعي أن أولى ركائز هذا التغيير تعتمد بقوة على التربية الذهنية المنفتحة على الحياة والعلوم بكل اتجاهاتها ومجالاتها، عبر منح الطفل آفاقاً رحبة للاكتشاف والتجديد عملاً بمقولة الأديب العقاد الذي قال: إذا استعصى عليك أمر فاستشر طفلك.

المرجع:

http://uqu.edu.sa/page/ar/5367

العدد 1194 - 15/04/2026