الكأس الأخيرة..!
غافل زوجته بعد أن استسلمت لنومٍ عميق، ثم انسلّ من تحت الغطاء كالعرق من البدن دون أن يشعل المصباح في الغرفة. توقف فجأة على حافة الباب ثم عاد للداخل. أسند رأسه بيده على باب الخزانة.. كان متردداً في سحب أحد الأدراج التي تراكم عليها الصدأ.. درجٌ واحد يعنيه من بين الأدراج الأربعة.. درجٌ أخفى به بعضاً من صور ورسائل وعلب عطر فارغة وكتاب واحد وضع بين وريقاته صورة لحبيبته التي كانت من بين ضحايا التفجير ذات صباح. فتح الكتاب واخرج الصورة ودسها في جيبه دون النظر إليها ثم نهض وغادر مسرعاً خارج البيت.
الكهرباء التي قطعت بعد أن ابتعد قليلاً عن المنزل لم تثنه عن متابعة الطريق، فالكهرباء التي باتت تقطع دون أي سبب كانت تزيد من ظلمة أفكاره وتدفعه باتجاهات متعددة!.
( حسناً). قالها همساً بعد أن رأى الضوء يتسلل من شقوق الباب الخشبي. أزاح مزلاج الباب ودخل. ألقى التحية على الحضور دون أن ينتظر ردّ التحية. الجميع مطرق بالكؤوس والضباب المنبعث من السجائر والأراكيل يحجب الرؤية ويجعلها صعبة نسبياً.أخذ كرسياً وسحبه وسط استغراب الجميع باتجاه زاوية معتمة.. جلس على الكرسي وأخرج من جيبه الصورة.
طلب من النادل عدداً من زجاجات الخمر وكأسين.. ملأهما خمراً وبدأ يشرب بشراهة لا توصف، وما إن انتهى من الزجاجة الأولى حتى نظر حوله والشرر يتطاير من عينيه لكن دون فائدة فالجميع في حالة كحالته.. وهنا لاحاجة للسؤال عمّا يعتصر القلب أو التخمين بما يجول في الذهن من أفكار وتخيلات وأوهام. الجميع في الحانة سواء، ولكلٍ أسراره التي يرويها لنديمه كل ليلة، حتى أن بعض الروايات تروى في الليلة الواحدة عدة مرات وطبعاً هذا يرتبط بعدد الزجاجات الفارغة بجانب الطاولة.
في تلك الليلة جلس وحيداً دون أن يشاركه أحد، فالصورة التي وضعها تحت الكأس الثانية كانت تغنيه عن نديمه.. الجميع يختلسون النظر إليه ويتضاحكون بشكل مكبوح وهو مستمر في هذيانه وتخيلاته وتناوبه على الشرب من كلا الكأسين.
فجأة نهض وصرخ بصوته القوي:
ايها السفلة.. ايها المجرمون.. سأنتقم منكم الليلة.. وأنتزع حبيبتي. أطفأ سيجارته وأخرج الصورة من تحت الكأس ثم دسّها في جيبه وسكب مافي الكأس الثانية فوق رأسه وانصرف.
في الطريق إلى البيت حاول أن يجد تفسيراً لما ينهش قلبه وعقله لكن دون جدوى، فالخمر قد فعل به مافعل، والسماء التي بدأت ترجم الأرض بحبيبات البرد لم تدع نشوته تكتمل.. وقف أمام الباب وفوجئ به مفتوحاً والدخان الكثيف يحجب الرؤيا.
حاول أن يتذكر إن كان قد أغلق الباب خلفه عندما غادر أم لا لكن دون جدوى.. دخل الغرفة التي ترقد فيها زوجته منحنياً.. اقترب من الضوء وهو لا يزال يهدّد ويتوعد.
لامس سرير زوجته.. والصورة في يده..ناداها أكثر من مرة لكن دون أن تستيقظ.. هزّها..أمسكها من يدها. كانت باردة.. وآثار بقع زرقاء على وجهها.. هزها ثالثة ورابعة لكنها لم تتحرك. أخرج علبة كبريت من جيبه..أحرق الصورة ونثر رمادها على سرير زوجته.. وخرج. منذ ذلك اليوم لم يعد أحد يراه في الحانة أو في الحارة أو في أي مكان آخر..!