المفكر الجزائري محمد أركون… عام على الرحيل ويستمر الجدل حول نتاجه الفكري

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لرحيل المؤرخ والباحث والمفكر الجزائري محمد أركون، الذي أمضى قسطاً كبيراً من حياته منكباً على دراسة الفكر الديني، قارئاً وكاتباً، مقتفياً آثار المفكرين والفلاسفة الإسلاميين التنويريين الكبار.

وقد اشتهر البروفسور أركون بتوجهه ما بعد الحداثي في نقد العقل الإسلامي وفكر الحداثة، واعتناقه المنهج الألسني النقدي، محدداً ما يقصده بقراءة ودراسة القرآن الكريم، بمعنى التحرر من القيود الإيمانية في التعامل مع ما جاء في الكتاب المقدس، معتبراً أن القراءات الإيمانية تستند إلى مبادئ ومسلمات يصعب جعلها مادة للنقاش عند أفراد المجتمع كافة، مشيراً إلى أن هذا التعامل مع القرآن الكريم يرفض رفضاً قاطعاً التشكيك في محتواه. وفي هذا الإطار كان أركون يدعو المستشرقين إلى تفكيك البديهيات المؤسسة للتماسك لكل الإيمان، مطالباً بتطبيق نظريات فلسفية تهتم بتشريح المحتوى الديني بعيداً عن المتدثرين بعباءته والمتعصبين لمبادئه.

وقد كرّس أركون فكره ونقده للنظريات المتأصلة في الدين، داعياً إلى المزج بين دراسة الأديان السماوية في علم واحد مشترك.

كما دعا إلى تطبيق ما أنتجته علوم الإنسان والاجتماع، أي التاريخ والألسنيات والفلسفة والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، إضافة إلى استخدام البنيوية والتفكيكية والنقدية لدراسة الإسلام نصاً وديناً وتاريخاً وسياسةً، وقد انتقد الطريقة التي استخدمها الغربيون في دراسة الإسلام، كما انتقد الطريقة التي عالج ويعالج بها المسلمون دينهم وتاريخهم وفكرهم.

 

معارك أركون الفكرية.. ويستمر الجدل

خاض البروفيسور محمد أركون منذ منتصف ستينيات القرن الماضي معارك فكرية عديدة مع جهات ومؤسسات كثيرة، وقد كان عرضة لانتقادات التيارات الأصولية المتشدّدة. إلا أنه كان منحازاً دائماً إلى حوار العقل المعتمد على أسس وضوابط بحثية دقيقة، رافضاً المضي في سجالات فكرية لا طائل فيها، حسب وجهة نظره. كما أنه تصدى لبعض المسلّمات والبديهيات في الأديان.

وقد كان دأبه الأساسي إعادة الاعتبار لجوهر العقائد، والبحث في تاريخيتها عند نقاط الالتقاء فيها لتحويلها إلى خطاب إنساني عام ومتحرر. وبمنهجية صارمة راح ينظر إلى الجوانب التاريخية التي أعادت فهم وصياغة المفاهيم الدينية (الإسلامية خصوصاً)، وفق لحظات تاريخية بعينها. وأظهر كيف أن الأصوليات المعاصرة راحت تتمسك بأقوال الفقهاء والمفسرين، من دون عودة إلى النص الأصلي ومنابعه، مضفية على ما هو تاريخي بعداً مقدساً ونهائياً لا مجال لإعمال العقل فيه. ومن ثم أنجبت عقلاً يقع في التناقض مع الواقع الذي يتغير، من دون أن يلتمس في روح النص ما هو جوهري، ومن دون أن يكون قادراً على صياغة خطاب إنساني عام.

 

رائد دراسات الإسلاميات التطبيقية

يعود للمفكر الراحل الفضل في تطوير اختصاص علمي في تدريس تاريخ الفكر الإسلامي في الغرب، عرف ب(الإسلاميات التطبيقية)، داعياً إلى تجاوز التعاطي مع الإسلاميات الكلاسيكية (أي الاستشراق التقليدي). وفي هذا السياق يقول ما يلي: ( إن الإسلاميات الكلاسيكية هي عبارة عن خطاب العربي حول الإسلام، أي خطاب يهدف إلى العقلنة في فهم الإسلام. ولكن كلمة إسلاميات (Islamologie) ومصطلحها اختراع غربي بحت. ذلك أن المسلمين يكتفون بالتحدث عن الإسلام مثلما يفعل المسيحيون عندما يتحدثون عن المسيحية).

وكما تعرض فكر أركون لسوء فهم التيارات الأصولية في الشرق الإسلامي، فإنه قد تعرض لسوء فهم مماثل من الغرب، ومن ثم كان يتساءل: (هل يمكن التحدث عن وجود معرفة علمية عن الإسلام في الغرب؟) ويعدّ هذا التساؤل بمنزلة تساؤل عن صلاحية وموضوعية في النظرة المتوافرة للغرب عن الإسلام.

ويرى الأستاذ هاشم صالح (باحث ومترجم سوري مقيم في باريس) أن مشروع أركون هو الأكثر نجاحاً بين مشاريع تجديد التراث ونقد العقل العربي. وذكر في مقالة له: (من يجرؤ على دراسة ظاهرة الوحي من وجهة نظر تاريخية ومقارنة؟ ومن يعرف كيف يطرحها من خلال ثلاثة من تراثات دينية توحيدية، وليس تراثاً واحداً، ومن دون أن يقطعها بالضرورة عن مفهوم التعالي؟ ومن يعرف كيف يطبق على النص القرآني ثلاث منهجيات متتالية: المنهجية الألسنية أو اللغوية الحديثة، فالمنهجية التاريخية والسوسيولوجية، فالمنهجية الفلسفية؟

بعدئذ تشعر كأن القرآن قد أضيء لك من كل جوانبه، واتخذ كل معانيه وأبعاده، من خلال ربطه باللحظة التاريخية التي فيها: أي القرن السابع عشر، ثم من خلال ربطه بالنصوص الأخرى التي تسبقه، وبعدئذ تشعر وكأنك قد تحررت من أثقال الماضي، ونفضت عن ذاتك غبار القرون المتطاولة، بعدئذ تشعر وكأنك قد وصلت إلى المنبع الأساس، إلى أصل الأصول، إلى غاية الغايات).

وقد كتب البروفيسور أركون واصفاً عمله ضمن ما أطلق عليه مسمى (مجموعة باريس) داخل الجماعة الأوسع للبحث الإسلامي – المسيحي: (حاولتُ أن أزحزح مسألة الوحي من أرضية الإيمان العقائدي (الأرثوذكسي) والخطاب الطائفي التبجيلي الذي يستبعد (الآخرين) من نعمة النجاة في الدار الآخرة، لكي يحتكرها لجماعته فقط. قلت حاولت أن أزحزح مسألة الوحي هذه من تلك الأرضية التقليدية المعروفة، إلى أرضية التحليل الألسني والسيميائي الدلالي المرتبط هو أيضاً بممارسة جديدة لعلم التاريخ ودراسة التاريخ).

رحل أركون دون مواصلة أبحاثه (الأركيولوجية) العميقة عن التراث الإسلامي، بينما يحتكر الخطاب الإعلامي والسياسي الضحل الحديث عن اختلاف الثقافات وصراع الحضارات من دون الاتكاء على الجهد العلمي الصحيح، أو النظرة الإنسانية البناءة والمتسائلة دائماً، تاركة للآخر مساحة للحوار والتعايش.

ومما لا شك فيه أن رحيل أركون عن عالمنا لن يخفت الجدل الذي أثاره بآرائه وكتاباته، لا سيما أنه كان أحد أبرز الباحثين في الدراسات الإسلامية المعاصرة، وأحد رواد الدعوة إلى الحوار بين الأديان.

العدد 1194 - 15/04/2026