المدفأة الافتراضية

سرعان ما انتشر الخبر بين الناس وتأمَّل كثيرون أن تتحقق أحلامهم ويتوقف تفكيرهم، وأن يتبدد خوفهم قبل انتشار المنخفضات الجوية. فبدؤوا يمسحون الصدأ العالق منذ سنين في نفوسهم. فالحكومة كما وصل الخبر ستقدّم المدافئ مجاناً، وأنَّ وقودها من أنفاس العائلة دون الحاجة إلى الوقود. وللخبر تتمة، بأن بعض التجار المرموقين بثّوا دعاية بين أوساط المستهلكين، أن أسعار المدافئ هذا العام انخفضت بنسبة 50 في المئة عن العام الماضي. وما إن أمطرت السماء أولى زخاتها أواسط تشرين الأول، حتى تقاطر المواطنون زرافات ووحدانا على محل هذا التاجر..!

أكَّد بعض العارفين بشؤون المدافئ أن الحاجة تولّد الاختراع، ورأى آخرون من المشردين في مناطق الإيواء أنَّهم لا يحتاجون إلى التدفئة، فأنفاسهم قادرة أن تحرّك قطاراً صنع عام 1890. وتذكَّر الحكّاَؤون من الشطَّار أصحاب الذاكرة المتوقدة ومن يراقبون أحوال الناس، حكاية قديمة انتشرت أيام السلطان العثماني في سنين الجوع والسفر برلك.

تقول الحكاية، إنَّ أرملة فقيرة جداً أنجبت خمس بنات وخمسة صبيان،  ينامون دون عشاء وهم مثل زغاليل الحمام، أكبرهم في الحادية عشرة من العمر وأصغرهم ولد بعد وفاة والده بثلاثة شهور.

أصيبت الأم الحنون في تلك الليلة بالصداع، فالأولاد تجمّعوا حولها والمطر في الخارج كالحبال يهبط من السماء، والرياح تعصف بقوة وتجرف معها ما تجده  في طريقها. وبعد تفكير عميق وشرود وآهات وزغاريد الألم تتغلغل في داخلها، أحضرت الأم قِدْرَاً ملأته بالماء وأسقطت فيه الحصى من حجوم متوسطة وصغيرة، وأوقدت الحطب تحته وبدأت تحرّكه، بينما الأولاد ينتظرون بشوق عشاء لذيذاً من اللحم دون جدوى لكنَّهم ناموا دون عشاء… وهكذا لم يصدّق أحد من العارفين بأحوال الفقراء وما يحتاجه الناس في فصل الشتاء من مدافئ ومازوت وبطانيات وشوربات ومعونات ومصروفات ومتفرقات و.. و…غيرها.

وبعد يوم أو أيام صحَّح أحد الصحافيين الخبر، وكذَّب الشائعات والنوايا السيّئة لمن نشره في صفحته، وانهالت التعليقات من زوار الفيس بوكيات. ويبدو أن هناك آراء صبيانية وأناساً لا يتحمّلون المسؤولية الشتائية، نشروا هذه الدعاية كي يبعثوا السرور في قلوب المعوزين والمحتاجين من الكادحين ومن ذوي الدخل المحدود.

تباينت آراء البشر من الذين قرؤوا الخبر وملحقه.. هناك من آمن بوجود المدافئ الافتراضية، التي يمكن أن تدفّئ العائلة من خلال الاستشعار عن بعد، أو من خلال وجود المدفأة في مكانها والتخيّل أنها مشتعلة ولهبها أزرق.. وآراء أكثر دقّة وصوابية يوهم أصحابها أن الأنفاس تدفئهم، وهي بمثابة مدفأة وقودها من الشهيق والزفير.

كانت المدفأة الافتراضية كالتخيلات الليلية وأحلام اليقظة، التي تتلاشى مع الصباح الماطر وانخفاض درجات الحرارة حتى التجمد الذي أدى إلى رضوض وكسور  في الذراعين والساقين لمن يهوى التزلج… وربما كما قال شاهد عيان إن جاره أصيب بنزيف دماغي وغيبوبة ولا يزال حياً حتى الآن.. ولا تزال زوجته تحتضن صغيرها وتنتظر المدفأة الافتراضية!

العدد 1195 - 23/04/2026