مسألة المواطنة وأبعادها في الدولة العربية المعاصرة (6)
مبدأ المواطنة في الفكر العربي المعاصر
يرى عوني فرسخ أن العصر العباسي الثاني- رغم بعض التراجع عن المكاسب الإسلامية – لم يعرف (إرهاباً فكرياً ولا تعصباً دينياً ولا (اضطهاد عرقياً أو حروباً طائفية)، وإنما كان الاضطهاد سلطوياً ومعمماً و(عانت منه الأكثرية بما يكاد يفوق معاناة الأقليات) (56).
ويؤكد فرسخ أن وضع الأقليات زمن الحروب الصليبية كان أفضل مما سبق، رغم الأحقاد المتبادلة ونمو النفوذ الأوربي ونظام الملل (57)، الذي أقامه المماليك، ذلك أن الواقع العربي بكل قتامته لا يقارن بما كان قائماً في الغرب أو في الشرق من صراعات وحروب ومجازر.
وإذ يطيب لأصحاب هذه الرؤية التفاخر بـ (التسامح العظيم) للسلطة العثمانية مع أتباع أهل الكتاب، فإنهم يتجاهلون في الوقت نفسه، الإضطهادات الهائلة والمذابح الجماعية والملاحقات العنيفة غير الإنسانية، التي تعرض لها بصورة منهجية ورسمية أتباع الأديان والعقائد (غير السماوية)، مثل الزرادشتية والمانوية والإيزيدية (اليزيدية) (58)، وامتد هذا الاضطهاد العنيف إلى أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى غير السنية، إذ (عومل الشيعة والدروز وأمثالهم بما لم يعامل به أهل الذمة باختلاف أديانهم ومذاهبهم) (59).
وتقتضي الموضوعية الإشارة هنا إلى أن (نظام الملل) العثماني، والضمانات التي قدمتها السلطنة العثمانية للمسيحيين واليهود، جاءت بضغط من قناصل الدول الغربية الكبرى ورعايتهم، وتعاظم دورهم السياسي والاجتماعي في الأستانة.
وفي معرض تأييد فكتور سحاب للاتجاه الإنكاري الرافض، لم يشأ إبراء ذمة المسلمين من مزاعم اضطهاد الأقليات الدينية والعرقية فقط، بل إنه عزا الاضطهاد إلى قوىً وجماعات غير إسلامية: فقد اضطهد البيزنطيون المسيحيين العرب عامة والآراميين خاصة، وشمل هذا الاضطهاد الأقباط قبل الإسلام، واضطهد المسيحيون العرب في أثناء حروب الفرنجة (المسماة بـ (الحروب الصليبية))، إذ فرت أعداد كبيرة منهم، وتقلص عددهم في سورية (الكبرى) فأصبحوا أقلية وكانوا هم الكثرة، وأخيراً اضطهدتهم الدول الكبرى بإشعال فتيل التقاتل الطائفي في لبنان خلال القرن التاسع عشر، ليتسنى لها التدخل والمطالبة بالامتيازات (60).
ولا شك أن هذه الرؤية تخالف ما هو دارج في كتابات أغلبية المستشرقين وبعض الباحثين العرب، فهي لا تكتفي بالدفاع عن طريقة إدارة شؤون الأقليات الدينية تحت راية الإسلام فحسب، بل تحمل الغرب (المسيحي) نتائج المآسي التي سببها لهم جشعهم للسيطرة على المشرق العربي. وقد تحول توظيف الخلافات بين المسلمين وغير المسلمين،وتوظيف الخلافات بين العرب وغير العرب، وبين الطوائف والمذاهب الإسلامية ذاتها، إلى تكتيك وفن سياسي مارسته فرنسا وبريطانيا على نطاق واسع. وفي تنافسهما الشديد للهيمنة على الوطن العربي كانتا تتنافسان أيضاً في ممارسة هذا (الفن السياسي) لبلوغ أهدافهما. ولعل بريطانيا تفوقت على فرنسا في توظيف ورقة التمايز الإثني أو الطائفي لتثبيت أقدامها في المنطقة،كما يقول الباحث محمد السماك (61). فقد أعدت قيادة القوات البريطانية في سورية ولبنان مذكرة بعنوان: (المشكلة الإسلامية- المسيحية في سورية والعلاقات بين الطائفتين بعد الانسحاب البريطاني والفرنسي منها). ومما جاء في هذه المذكرة (62):
(…. خلال 400 سنة كانت سورية جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وكان المسلمون السنة يسيطرون على كل أنشطة المجتمع. السلطان السني في إسطنبول لم يكن يشعر بعطف كبير على الأقليات الدينية في الإمبراطورية، وغالباً ما كان الأتراك يحلون مشاكل الأقليات، خصوصاً الأرمن، بالقمع. إن تدخل الدول الكبرى الأجنبية المتكرر… دفع السلطان إلى اتباع سياسة أكثر حصافة تجاه رعاية المسيحيين، وأدى تطبيق (نظام الملة) الذي اعتبر الزعيم الديني لكل طائفة مسيحية مسؤولاً عن سلوك أبناء طائفته، أدى تطبيق هذا النظام إلى تحسين أوضاع الأقليات…).
وتعترف الوثيقة: بأن (نظام الملة رسخ، في الحقيقة، الفوارق بين المسلمين والمسيحيين، وشدد على الفوارق الدينية، ووسع التباعد السياسي بين الطرفين. التدخل الأجنبي زاد التباعد اتساعاً، وعندما انتهت الامبراطورية العثمانية ودخلت فرنسا سورية، كانت هناك خلافات دينية نشأت عن أعوام كثيرة من التمييز الديني، الذي مارسه الأتراك) (63).
وإذا كان مؤيدو (الحل الإسلامي) لمسألتي المواطنة والأقليات، يجزمون بأن (العودة إلى روح الإسلام وإلى ديمقراطية الإسلام كفيلة بقطع الطريق أمام مؤامرة الشرذمة والتمزيق التي يواجهها العالم الإسلامي والعالم العربي. ثم إنها كفيلة بالتالي بإعادة مجد الإسلام الغابر ووحدة كل أبنائه من مختلف الأجناس والقوميات والألوان) (64)، فإن المفكر القومي البارز الدكتور قسطنطين زريق لا يذهب بهذا الاتجاه (الافتخاري)، بل يرى أن (الأقليات المسيحية وإن كان لها مكانها في (دار الإسلام)، فإنها لم تكن تتمتع بالمساواة الشرعية والعملية كأصحابها الفعليين) (65)، وهو ما يعني ضمنياً رفض (الحل الإسلامي) المطروح من جانب أتباع التيار الديني، الذي ينظر إلى مسألة الأقليات بوصفها (ظاهرة) عابرة وحالة (ثقافية -فولكلورية) ليس غير.
وفي معرض تعقيبه على أطروحات وأفكار أصحاب الاتجاه غير الواقعي والمجافي لحقائق التاريخ والمنطق من تيار المفكرين والمؤرخين والإيديولوجيين ذوي المرجعية الدينية في الفكر العربي المعاصر، يقول الباحث سعد ناجي جواد مايلي: (يعجبني أن أقرأ وأسمع عن الصورة الوردية للفكر الإسلامي في ما يخص حقوق المواطنة وموقف الإسلام المتطور والعظيم من غير المسلمين. ولكن يؤسفني أن أقول إن ما يجري على أرض الواقع هو غير ذلك. الآن أصبح العديد من الحركات الإسلامية يكفّر بعضه البعض، وأصبح التقسيم على أساس طائفي هو الأساس، وبعد أن كنا في الخمسينيات والستينيات نتحدث عن التقريب بين المذاهب، أصبحنا نتحدث عن رافضة ونواصب وأبناء العامة في الدين الواحد. أكرر أن هذه المبادئ العظيمة والرائعة لا تجد لها تعبيراً على أرض الواقع) (66).
وإذ يجمع ممثلو التيارين (القومي والديني) على أن القوة المجتمعية والسياسية والإقليمية والدولية لأي دولة، تتوقف على توافر مجموعة عوامل يأتي في مقدمتها الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي، فإنهم لا يختلفون أيضاً على حقيقة أنه كلما كانت الوحدة الوطنية متماسكة وصلبة، كان التأثير الخارجي عليها أقل وأضعف، وكلما كانت هذه الوحدة هشة وضعيفة، كانت الدولة أكثر إغراء للتدخل الخارجي في شؤونها الداخلية.
والتدخل الخارجي قد يستغل سوء أوضاع أقلية من الأقليات، أو قد يوظف تطلعاتها الوطنية لخدمة أهدافه ومصالحه، ولذلك فإن القوى الخارجية المتدخلة تحرص على استمرار الأوضاع السيئة للأقليات وتحرص على أن تبقي الطموحات الوطنية للأقليات مجرد سراب تلهث وراءه، حتى يمكن استغلال معاناتها وتطلعاتها بصورة مستمرة.
في ضوء ذلك، برز إجماع واضح في الفكر العربي المعاصر، بمختلف تياراته واتجاهاته السياسية والأيديولوجية، على ضرورة معالجة مسألتي المواطنة والأقليات بشكل قانوني- مؤسساتي واقعي، والإفادة القصوى من التجارب العالمية الناجحة في هذا المجال.
الهوامش:
(65) للتعمق في هذا الموضوع، انظر: أحمد أمين، ظهر الإسلام، في أربعة أجزاء، ط،5 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1969)، ج،1 ص3.
(57) (نظام الملل) هو نظام يمنح كل أتباع شريعة سماوية حق الاحتكام إلى شريعتهم الخاصة في ما لا يتعارض مع مصالح المسلمين، انظر بهذا الشأن: أليكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحية، ترجمة د. خلف محمد الجراد، مراجعة محمود حمدي زقزوق، سلسلة عالم المعرفة، 215 (الكويت:المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1996)، ص 186.
(58) انظر في هذا المجال: د. خلف الجراد، اليزيدية واليزيديون(اللاذقية: دار الحوار، ط،1 1995)، ص 41-42.
(59)عوني فرسخ، (الأقليات في الوطن العربي)، مصدر سابق، ص 48.
(60) فكتور سحاب، (من يحمي المسيحيين العرب؟) المستقبل العربي، السنة ،4 العدد 30(آب/ أغسطس 1982)، ص 133.
(61) انظر: محمد السماك،الأقليات بين العروبة والإسلام ( بيروت: دار العلم للملايين، ط 1 ، 1990)، ص 76.
(62) المصدر نفسه، ص 77.
(63 ) المصدر نفسه.
( 64 ) المصدر نفسه، ص 166.
( 65 ) قسطنطين زريق، (المسيحيون العرب والمستقبل)، المستقبل العربي، السنة 4 ، العدد 27(أيار/ مايو 1981)، ص 28.
( 66 ) انظر: مداخلة سعد ناجي جواد على بحث حيدر إبراهيم علي، الموسوم بـ (الديمقراطية: منظور قومي ليبرالي)، الحوار القومي- الإسلامي: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية، تحرير عبد الإله بلقزيز (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط،1 2008)، ص 409.