لماذا كان ماركس محقاً؟! (20)

سيكون تحقيق هدف ماركس أسهل، إذا لم نتوقع أن جميع البشر يتصرفون دائماً بأعلى درجة من الأخلاق. فالاشتراكية ليست مجتمعاً يتطلّب من مواطنيه فضيلة مثالية ولا يتوقّع منا تنظيم حفلات الوئام الاجتماعي بلا انقطاع. لكن آليات الاقتراب من هدف ماركس متضمَّنة، على الأرجح، في المؤسسات الاجتماعية. وهذه لا تعتمد بالدرجة الأولى على حُسن نيّة الفرد. لننظر الآن مثلاً إلى فكرة الجمعية التعاونية ذاتيّة الإدارة التي اعتبرها ماركس أهم وحدة إنتاجيّة في المستقبل الاشتراكي. فالإسهام الذي يقدمه أحد أعضاء هذه الجمعية يضمن له شكلاً مّا من تحقيق الذات، لكنه يدعم رفاه الآخرين أيضاً، وذلك ببساطة نتيجة كيفيّة تنظيم هذه الوحدة. فأنا لست مضطراً لأن أُحبّ زملائي ولا أن أُبالغ في إظهار نشوة إيثار الغير كل ساعتين، لأن المواصفات الخاصّة بهذه الجمعية: التعاون والمساواة والمشاركة في الأرباح وفي اتخاذ القرارات، تضمن أن أسهم عن طريق تحقيق ذاتي في تحقيق ذات الأعضاء الآخرين. هذه قضية بُنية وتنظيم، وليست قضية فضيلة شخصيّة. ولسنا بحاجة لذلك إلى ملائكة.

في الرأسمالية، لا أهميّة ما إذا كان أحدنا صرصوراً حقيراً، أو عالماً يعمل في أحد مصانع الأدوية على تطوير العلم وتقدّم الإنسانية. المهم هو أن يحقق عملي الربح لصالح عصابة من أولئك الذين لا ضمير لهم والذين يجبرون حتى أولادهم على دفع عشرة دولارات ثمناً لحبّة أسبرين. ما أشعر به وما أفكّر به، ليس هاماً. المؤسسة (التي أعمل فيها) هي التي تحدّد أهميّة عملي.

يمكن افتراض أن كل مؤسسة اشتراكية تُتيح الفرصة لوجود وصوليين ومتذلّلين ومشاغبين وغشّاشين وكسالى وطفيليين ومتطفّلين وإمّعات ومرضى نفسيّاً أيضاً. ولا يوجد في جميع مؤلّفات ماركس ما يُشعر بأنه رأى الأمور على غير ذلك. وإذا تعلّق الأمر في الشيوعية بأن يشترك كل واحد في الحياة العامة قدر الإمكان، فإن ذلك لن يمنع حدوث مشكلات كثيرة أيضاً، نظراً إلى تعدّد اللاعبين. ولا يمكن أن نتوقّع نهاية النزاعات بين البشر على يد الشيوعية. فهذه هي بالفعل مهمة نهاية التاريخ. وسيبقى قائماً الحسدُ والعدوانية والتسلّط والجشع والتنافس، لكنها لن تكون كما هي العادة في الرأسمالية، وليس ذلك لأن البشر قد أصبحوا أكثر تعلّقاً بالفضيلة، بل لأن المؤسسات قد تغيّرت.

ولن ترتبط هذه الرذائل باستغلال عمل الأطفال أو عنف استعماري أو مظالم اجتماعية فاقعة أو تنافس اقتصادي مميت، بل إنها ستتّخذ شكلاً آخر. فحتى المجتمعات القبلية تعرف حدّاً ما من العنف والتنافس وحب السلطة، لكن من دون شن حروب استعمارية أو الخضوع لتنافس منفلتٍ من عقاله أو التسبّب ببطالة واسعة عن العمل، لأن قبائل النوير والدنكا لا تعرف ذلك. هناك أوغاد في كل مكان، إلا أن قلّة منهم يتبوّؤون المناصب التي تمكّنهم من سرقة صندوق التقاعد أو إغراق الإعلام بدعاياتٍ سياسية مضلِّلة. أغلب رجال العصابات غير قادرين على ذلك، ويضطرّون، بالمقارنة مع هؤلاء، إلى الاكتفاء بارتكاب جرائم (صغيرة) بحقّ بعض الناس. في مجتمعٍ اشتراكي لا يقدر أحد على ذلك. وليس لأن الجميع أصبحوا أكثر تأدّباً، بل لأنه لا يوجد صناديق تقاعد خاصّة ولا وسائل إعلام خاصّة. لا يستطيع أوغاد شيكسبير إطلاق الصواريخ على اللاجئين الفلسطينيين، لذلك كان عليهم التنفيس عن سوء طويّتهم بشكل آخر. لا يمكن أن يكون المرء من كبار الصناعيين مستغلّي البشر، إذا لم تكن هناك صناعة. وإلا فعليه أن يسوم العبيد أو رجال الحاشية أو زملاء العمل من العصر النيوليتي سوء العذاب. لكن، لننظر كيف تجري الأمور في الديمقراطية. صحيح أن هناك دائماً بشراً من ذوي الأنا المتضخِّمة الذين يحاولون ترهيب من حولهم، وآخرين يصلون إلى السلطة عنطريق الرشوة أو التملّق. إلا أن الديمقراطية نظام يشمل العديد من إجراءات الحماية ضد مثل هذه المحاولات.

فعن طريق إجراءات من قبيل (لكلِّ ناخبٍ واحد صوت واحد)، والدستور، وواجب المساءلة، والتصرّف وفق القوانين، وسيادة الأغلبية إلخ…، نحاول تفادي أن ينتصر الأوغاد. ورغم ذلك، فهم يفوزون بين الحين والآخر. وقد يستطيعون أحياناً قلب الأمور رأساً على عقب. إلا أنه نتيجة مأسسة هذه الإجراءات نراهم يضطرّون أخيراً إلى الانصياع للإجماع الديمقراطي. فالفضيلةُ مبنيّة في طرق التعامل، ولا تُترك فريسة لمزاج أحد. ولا يجب سلب الناس قوّتهم الجسديّة من أجل إنهاء الحرب. المفاوضاتُ، ونزع السلاح، وإبرام اتفاقيات سلام، وإجراءات مراقبة وغيرها أمور كافية لتحقيق ذلك. قد يكون كل ذلك صعباً، إلا أنه أقلّ صعوبة من تنشئة أجيال تبصق عند سماع أدنى إشارة للعنف وتقع مغشيّاً عليها.

لا تعدنا الماركسية إذاً بالكمال الإنساني، كما لا تعدنا حتى بإلغاء الأعمال الشاقّة. ومن الواضح أن ماركس آمن بأن نسبة ما من العمل الشاق ستبقى قائمة حتى في ظل ظروف الوفرة. وستلاحقنا لعنة آدم حتى في مملكة الرخاء. ما تعدنا به الماركسية هو إزالة التناقضات التي لا تزال تمنع التاريخ الحقيقي من القدوم بكل حرية وتنوّع بعد هذه الفترة الطويلة من (ما قبل التاريخ).

ومع ذلك، ليست أهداف الماركسية ذات طبيعة مادية بحتة. بالنسبة إلى ماركس، تعني الشيوعية نهاية الفقر والعمل الشاق، إلا أن الحرّية وراحة البال اللتين سيحصل عليهما البشر عندئذ ستمكّنانهم أيضاً من تطوير قدراتهم الفكرية. وكما رأينا، لا يسير التطوران المادي والفكري دائماً على التوازي. لننظر إلى كيث ريتشاردز، (عازف غيتار إنكليزي ومؤلِّف أغاني) هناك أنواع عديدة من الوفرة المادّية التي تقضي على الاهتمامات الفكرية. ومن جهة ثانية، لا يمكننا أن نكون كما نريد، إذا كنا جوعانين أو مضطهدين أو إذا كانت حياتُنا المُزهقة للنفوس تئدُ أيَّ تطوّر خُلُقيّ في مهده. لا ينكر المادّيون الفكر بعض الشيء، لكنهم يذكّروننا بأن التطوّر الخلقي يفترض وجود تقدم مادّي. وقد يكون التقدّم المادّي شرطاً لازماً، ولكنه ليس شرطاً كافياً.

لا يمكن أن يظهر الإنسان للعيان بأجمل صوره في ظروف الفقر المدقع، الطبيعي أو الاصطناعي بفعل فاعل. فالندرة تقود إلى العنف والخوف والطمع والجشع والاضطهاد والنزاعات المميتة. وقد يقول قائل بأن الإنسان الذي يتمتع بقسطٍ من الرخاء والتحرّر من الهموم المادّية المُكربة، سيكون على خُلُقٍ عظيم. لكننا لا نستطيع التأكّد من ذلك لأننا لم نعش بعد في مثل هذه الظروف. وهذا ما يقوله ماركس في (البيان الشيوعي) عندما أوضح أن التاريخ المعروف حتى الآن إنما هو تاريخ صراع الطبقات. فحتى في ظروف الرخاء سيكون

هناك العديد من الأشياء التي تدفعنا إلى الشعور بالخوف والعدوانية وحبّ التملّك. ولن ننقلب إلى ملائكة. إلا أن بعض الأسباب الخفيّة لنواقصنا الأخلاقية ستكون قد زالت. وبهذا المعنى يمكننا القول إن المجتمع الشيوعي إجمالاً سيُفرز بشراً ذوي أخلاق قويمة وأكثر تطوراً مما نحن عليه الآن. لكنهم سيكونون أيضاً خطّائين ومشاكسين ولؤماء في بعض الأحيان.

على الساخرين، الذين يشكّون في إمكانية تحقيق مثل هذا التقدّم الخُلُقي، أن يسألوا أنفسهم ما إذا كان هناك بالفعل فرق شاسع، أم لا، بين مجتمعٍ يحرق ساحرات، ومجتمع آخر يكافح من أجل الأجر ذاته للمرأة العاملة. وهذا لا يعني أننا أصبحنا اليوم مرهفي الحسّ ورقيقي المشاعر وإنسانيين أكثر مما كان عليه البشر في العصور الوسطى. وحتى نفهم ذلك، علينا أن نتذكّر الفرق بين الرمح والقوس والنشّاب، والصواريخ البالستية العابرة للقارات. لايتعلق الأمر بأن التاريخ بمجمله قد حقق بعض التقدّم الأخلاقي، وإنما بأننا قد تقدّمنا هنا وهناك بعض الشيء. وتقتضي الرزانة والواقعية أن نقول أيضاً بأن شأننا قد انحطَّ في بعض المجالات الأخرى منذ أيام روبن هود لا يوجد سوى القليل من قصص النجاح، كما لا توجد حكايا عن إخفاق عام. فكلُّ واحد منا شهد صراخ طفلٍ صغير بشكلٍ يقطّع نياط القلب وهو ينتزع اللعبة من يد أخيه أو أخته قائلاً: (هذا لي، هذه لعبتي)، يعرف تماماً مدى عمق مشاعر التنافس والجشع الدفينينة في النفس الإنسانية.

نحن نتحدّث عن عادات نفسية وثقافية متجذّرة، وحتى عن عادات تطوّرية، لا يمكن التأثير فيها عن طريق تغيرات مؤسّسية بسيطة. إلا أن التغيرات الاجتماعية لا تنتظر أن يغيّر كلُّ واحد موقفه الشخصي بين عشيّة وضحاها. لنأخذ إيرلندا الشمالية كمثال. لم يترسّخ السلام في هذه المنطقة المتخاصمة لأن الكاثوليك والبروتستانت قد دفنوا أحقادهم المعمِّرة وتعانقوا أخيراً بكلِّ ودٍّ ومحبّة. لم يحصل شيء من هذا القبيل إطلاقاً. وسيحتفظ البعض بكرهه للآخر في المستقبل المنظور. فالسلوك الطائفي لا يتغيَّر إلا ببط ء التشكيلات الجيولوجية. ومع ذلك لم يكن هذا هاماً. كان الأهم هو إبرام اتفاقية سياسية تحت أنظار العالم الذي سئم العنف بعد ثلاثين عاماً من النزاعات الدمويّة، والذي دبّجها بحكمة وراقب تطبيقها بعناية.

ومع ذلك، فهذا فقط وجه واحد من أوجه التاريخ. إذ من المعروف أيضاً أن التغيرات المؤسّسية التي تدوم طويلا تؤثّر في مواقف الناس بشكل مستديم.

وقد اصطدم كلُّ إصلاحٍ لقانون العقوبات مستمدِّ من عصر التنوير، في البداية، بمقاومة عنيدة، إلا أن هذه الإصلاحات أصبحت اليوم بالنسبة إلينا من المسلَّمات، وأصبحنا نشعر بالقرف من مجرّد تصوّر معاقبة مجرمٍ ما بربطه إلى الدولاب على طريقة الهنود الحمر.

تأليف: تيري إيغلتون

العدد 1195 - 23/04/2026