الخطر الأكبر: هل بلغت البطالة 58% في مجتمعنا؟

تقرير صادم بأرقامه ونسبه أصدره (المركز السوري لبحوث السياسات) عن واقع الاقتصاد السوري منذ بدء الأزمة حتى نهاية 2014 وتناول التقرير العديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية، ولكن في حال أردنا سرد كل المعلومات التي تناولها التقرير، فإن السطور لن تكفي لاستيعابه.

هذا التقرير وما حمله من أرقام دفع وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية همام الجزائري إلى التعليق عليه، فأوضح أن التقرير يعكس جهداً بحثياً ملحوظاً، لكن الرقم الإحصائي المعتمد والمنهجية البحثية التي تم تبنيها أدت إلى نتائج مضللة في التحليل والتعليل، مؤكداً أن الاقتصاد السوري حقق نمواً للمرة الأولى خلال الأزمة عام 2014 مرتكزاً على التعافي التدريجي في قطاع الصناعات التحويلية والتصدير، وفي توسع القطاع التجاري والإنفاق الاستهلاكي، وزيادة الإنفاق العام الاستثماري الذي تركز على القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية من خلال لجنة إعادة الإعمار والتعويض عن الأضرار، ومن خلال الاعتمادات الاستثمارية في الموازنة العامة للدولة، التي استهدفت أساساً ترميم سلاسل الإنتاج في قطاع الإنتاج الحيواني والدواجن، توسع مؤسسات التدخل الإيجابي، وترميم البنى التحتية.

وسنتناول فيما يلي ما ذكره التقرير عن البطالة، إضافة إلى التقارير والتصريحات السابقة التي أطلقت في هذا المجال.

نحو 58% نسبة البطالة في نهاية 2014!

لا يخفى على أحد أن نسبة البطالة في مجتمعنا ارتفعت كثيراً مقارنة مع ما قبل الأزمة، فقد ذكر تقرير صدر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا) خلال عام 2013 أن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 45%، وبلغ عدد العاطلين عن العمل 3 ملايين سوري من أصل 5 ملايين يشكلون مجموع القوى العاملة، كما ذكر معاون وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية حيان سلمان في عام 2013 أن حجم الدين العام زاد إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كان قد انخفض إلى 23% في عام 2010 وارتفعت معدلات البطالة ارتفاعاً غير مسبوق، وتجاوزت كل التوقعات الاقتصادية وخاصة في أوساط الشباب، فتجاوزت معدل 35.8% من القوة العاملة لعام 2011 وزادت معدلات البطالة بمقدار 1.5مليون عاطل، بسبب فقدان فرص العمل، فقد بلغ معدل البطالة في عام 2012 نسبة 39%. وذكرت وزارة العمل خلال عام 2013 أن مسح عام 2011 لقوة العمل والمتعطلين عن العمل، كشف وجود ما بين 466 ألفاً و866 ألف عامل متعطلين عن العمل، نتيجة الظروف الحالية والتراجع الاقتصادي الملحوظ.

أما التقرير الأخير للمركز السوري لبحوث الدراسات، فقد أشار تحت فقرة (تبخر العمل المنتج)، أن معدل التشغيل تراجع من 36.1% في عام 2011 إلى 21.9% في عام 2013 لافتاً إلى أن الإسقاطات تشير إلى أنه تراجع إلى 19.6% في نهاية عام 2014 كما سجل معدل البطالة ارتفاعاً كبيراً من 14.9% في 2011 إلى 53% في 2013 محققاً زيادة إضافية في كل ربع من أرباع عام 2014 إذ ارتفع إلى 53% في الربع الأول من عام 2014 و54.7% في الربع الثاني و56.1% في الربع الثالث و57.7% في الربع الرابع، وبالمقارنة بين السيناريو الاستمراري وسيناريو الأزمة تبين النتائج أن سوق العمل قد خسر 2.96مليون فرصة عمل مع نهاية عام 2014 وفي العام نفسه استقر التوظيف في القطاع العام دون أن يشهد تغييرات كبيرة، وازدادت حصته من التشغيل إلى 55% مما يشير إلى أن غالبية المشتغلين في سوق العمل الرسمية يعملون في القطاع الحكومي.

فقدان 3 ملايين فرصة عمل يؤثر على 12 مليون نسمة

ولفت التقرير إلى أنه باستخدام معدل الإعالة لعام 2010 البالغ 4.13 شخصاً لكل مشتغل، فإن فقدان 2.96 مليون فرصة عمل بحلول نهاية 2014 يترك أثراً فادحاً ومباشراً على معيشة 12.24 مليون إنسان فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي، إضافة إلى ذلك فإن الغالبية العظمى ممن تبقوا في سوق العمل عانوا من تراجع حاد في الأجور الحقيقية بسبب تزايد الأسعار، ولاسيما خلال الربع الأخير من العام 2014.

وأكد التقرير أن هذا التراجع الحاد في فرص العمل المتاحة ضمن سوق العمل الرسمية أسفر عن زيادة في مستوى النشاطات الاقتصادية غير الرسمية ومن ضمن ذلك ورش العمل الصناعية الصغيرة وصغار أصحاب الأعمال الذي ينشطون في أسواق الشوارع، وقد أعاد ذلك شريحة واسعة من القوى العاملة السورية إلى النشاطات كثيفة العمالة غير الماهرة الأمر الذي من شأنه تبديد رأس المال البشري المتراكم سابقاً.

وتحت عنوان اقتصاد مغترب عن الناس، قدر التقرير أن الخسائر في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014 تشكل 38% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 في حين أن رأس المال المادي وهو المصدر الأساسي للنمو وصل إلى 44% من المستوى الذي سجله عام 2010 كما أن عدد المشتغلين بلغ 54% من عددهم في 2010.

كيف يمكن خفض نسب البطالة؟

بعد عرض السابق، نصل إلى نتيجة أن الأرقام التي طرحها التقرير تعتبر مرتفعة جداً وخطيرة، ذلك أن البطالة هي مولّد المخاطر الاجتماعية والاقتصادية، وبغض النظر عن دقة الأرقام الواردة في التقرير أو عدم دقتها، إلا أنه يمكن القول بأن البطالة تفاقمت كثيراً في ظل الظروف الراهنة، حتى أن غير العاطلين عن العمل يعانون من صعوبة تأمين مستلزمات معيشتهم مع ارتفاع الأسعار الكبير في الأسواق المحلية، ولكن ما نود الإشارة إليه إلى أنه من المهم جداً إيجاد الحلول الناجعة والسريعة لخفض نسب البطالة، فاليد العاملة من شأنها أن تحرك الإنتاج وبالتالي تحرك الأسواق المحلية والخارجية، وانخفاض نسب اليد العاملة المنتجة من شأنه أن ينعكس سلباً على سائر الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ولكن كيف يمكن مكافحة البطالة حالياً أو تخفيض نسبها على الأقل؟

أشارت دراسة حكومية نشرت خلال عام 2012 إلى أن التزايد السكاني والبطالة ليسا السبب الأساس وراء عجز الحكومة عن تأمين فرص العمل دائماً، وإنما عدم التوسع في إقامة استثمارات ومشروعات استثمارية لامتصاص أكبر عدد ممكن من العاطلين عن العمل، وضعف الاهتمام بتحفيز ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

إذاً الوصفة اللازمة لحل معضلة البطالة جاهزة ويمكن جعلها تتكيف مع الظروف الراهنة، وهنا يجب أن نؤكد أهمية أن تقوم الحكومة بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المناطق الآمنة، لأنها محرك الاقتصاد وقادرة على الحفاظ على القوى العاملة التي تعمل فيها، إضافة إلى منح قروض مكافحة البطالة للعاطلين عن العمل وذلك بضمانات معينة، وأن لا تكون هذه القروض عشوائية، كأن يُفرض على كل عاطل عن العمل أن يقدم فكرة لمشروعه الصغير ومدى جدواه، وأن تعمل وزارة العمل على تطوير فكرته ودعمها في حال كانت مناسبة أو إيجاد البديل المناسب له في حال كانت غير ذلك وأن تساعده على إيجاده وتسهيل عمله.

صحيح أن هذه القروض ستشكل عبئاً مادياً على الحكومة في ظل الظروف الراهنة، ولكن سينتج عنها توظيف وتحريك لعجلة الإنتاج وللأسواق، وتحدّ من البطالة، ومن آثارها الاجتماعية السيئة التي أقلها السرقة والنهب.

العدد 1194 - 15/04/2026