أحلام تحت خط الفقر

المسألة السورية أبعد بكثير من القول إنها (أزمة سورية). قلبت حياة المواطن السوري عما كانت عليه قبل عام 2011 في وجوهها الأربعة. لم يبقَ شيء على حاله.. وُخِرت الحياة وذابت الأحلام في يوتوبيا المتاهات، وبدأ السوس (يهرس) بأسنانه الحادة آمال الناس كباراً وصغاراً.. نساء ورجالاً.. كهولاً وعجائز..!

ازداد الفقراء فقراً والأغنياء غنى، واتَّسعت الهوّة بين طبقات المجتمع السوري، إلى درجة القهر والاستغلال، وتحوّل النور الذي كان يشكل خيمة من الفرح والأمل إلى غيوم رمادية تكاثفت وتحوّلت إلى عتمة قاتلة..!

ولم يعد كلام (الرحمة والحب والمساندة والجار قبل الدار ومساعدة المظلومين وغيرها…) دارجة في اللغة اليومية للناس.. وكل فرد تفرّدَ وانفرد والتزم بيته أو المأوى الذي قبع تحت سقفه مع عائلته..

تمزَّقت الأحلام ولم يعد أحد قادراً على ترقيعها وأصبحت غير قابلة للحياة، وأصيبت بسوء التغذية والنحول (عظام وجلود وشحوب يميل إلى الاصفرار وإلى الزرقة المعتمة أحياناً). وبدأت المفارقة تصرخ بأصوات جاءت من أماكن ومصادر غير معروفة بين فترتين (قبل الإرهاب وبعد الإرهاب).

هناك من يقول، الأحلام لن تموت ما دامت الخلايا تتجدد، وتتنفس رئاتها الهواء في حركة مستمرة من الشهيق والزفير.. وتظل القلوب تحتفظ بأغلى الكنوز وتسجل نبضاتها رسائل الحب .. وآخرون يرفضون هذه النظرية ويرون، أن أحلام الناس في ظلّ أزمة سورية خانقة لن تعيش طويلاً. ولن يجتاز أعتى حلم عتبة العقد الخامس من العمر..! وإذا كان مجتمع الأحلام مجتمعاً طبقياً، فالأزمة التي لم ينطفئ جمرها أوصلت اللهب إلى رقاب الأحلام فأخمدتها وحولتها إلى رماد..

لقد مات كل شيء في الحياة.. هكذا ينظر المتشائمون.. والأحلام تروى من ينابيع ذاكرات الناس كما يؤكد المتفائلون.. ويرى المتشائلون أن الجفاف بدأ يزحف على تربتها ونباتاتها مما أدى إلى هجرتها دون جوازات سفر، وطلب اللجوء الاجتماعي أو السياسي هرباً من الجوع وخوفاً من قطع الرؤوس بسيوف أصحاب العاهات..!

الأحلام كالنبات تذبل براعمها وتجفّ أوراقها وتتساقط من أوّل هبَّة ريح.. وكذلك الأحلام لن تزهر في فصول الموت والقذائف والخراب والقتل..!

ورغم النزعات اللاّهثة في تشاؤمها، والخيط المشترك الواصل بين آراء المتشائمين والمتفائلين وما بينهم من المتشائلين، إلاَّ أن ضوء الأمل لن يقدر أحد على إخفائه مهما كان قوياً ومارداً.. وستنهض من الرماد الآمال بالفعل والكلام والعمل الدؤوب، لتبديد هذه العتمة الموجعة التي تعمي البصر وتتلف أنسجة وخلايا ذاكرات الأحلام..!

العدد 1140 - 22/01/2025