هي الحياة.. زرع وحصاد
هي الحياة… زرع وحصاد..
فمن يزرع الورد يجني العطر، ومن يزرع الشوك يجني الجراح.. ومن يزرع الرياح تحصده العواصف.
هي الحياة تمر دون أن تكترث لأحد أو بأحد.. كريح عاصفة تأخذ الورق اليابس وتترك الأخضر إلى حين.
(فنحن على سفر.. والغريب أن ما من كبير أو صغير بيننا يصدق ذلك الخبر).
حين تعطينا الحياة فعلينا أن نعلم أنها أخذت من غيرنا.. وسيأتي يوم وتأخذ منا.
هي ا لحياة وجعها أكثر من سرورها، وظلها أكبر من نورها، فمن عرفها كانت بالنسبة له شعلة تضيء طريقه، ومن جهلها غرّته ألسنة نارها فيظنها قوس قزح، ويحاول الإمساك بها، فتحرقه وتنطفئ بين يديه.
قصيرة هي الحياة، وإن بدت طويلة لمن يتوجع وينتظر..
قصيرة.. إنما المشكلات فيها طويلة ممتدة، والمعاناة تزيدها تعقيداً، ومن يطيقها، ويتحمل أشواكها وقلائل.
(ومَن أحبّ الخلود في الحياة، فليُعدّ للمصائب قلباً صبوراً).
هنالك في الحياة، قلة قليلة يغرّهم الحرير والذهب اللامع، والمال الوفير، وطعم العسل، ورائحة البخور، والسبب في ذلك أنهم قلبوا عيونهم إلى الداخل، فجاءت حكمتهم من الباطن، يحكمون على العمل قبل القول، وعلى السيوف كيف تقطع لا كيف تعلّق على المسامير، وعلى قيمة الرجال لا على قاماتها، ونسبها، وعلى خناجر الأبطال كيف تنغرس لا كيف تسنّ وتنام وتحفظ في أغمادها.. إنهم يحكمون على ضوء المنارة عند الشواطئ البعيدة، لا على حجم المنارة وساكنيها.
(إن أعظم فائدة للحياة، أن نقضيها في عمل شيء يبقى بعدها.. ووحدها الحياة التي نعيشها من أجل الآخرين حياة مفيدة. ولكن يا للعجب: فأكثر الناس ينفقون حياتهم في ما لا يعنيهم، وفي ملء نصفها الآخر بما يشقيهم).
ليست الروائح العفنة في غالب الأحيان مصدرها اللحم والنفايات المتفسخة، بل هناك روائح أكثر عفونة وقذارة، وأشد سماً نتلقاها وتقع علينا من حياة بعض الناس وتصرفاتهم..
إن حياة تكون عبئاً على الآخرين ليست بحياة، بل إنها مرض وموت، فحياة بعض الناس وأعمارهم تشبه الأنهار والسواقي والمستنقعات والبحار المالحة، منها الجاف، ومنها المليء بمياه عذبة تسقي الحجر والشجر والبشر دون صوت، ومنها ما يجمع بين الاثنين: أحياناً يفيض وأحياناً يجف، تارة يدفئ، وتارة يحرق، تحسه ممتلئاً كخزانة فاخرة بالملابس والمجوهرات، وأحياناً تشعر أنه لا يساوي قشرة بصلة أو علبة كبريت فارغة، وعود ثقاب منطفئ.
هي الحياة.. بعضهم يجعل مذاقها مراً، والبعض الآخر أكثر مرارة، والبعض مهما زادتهم الحياة وأعطتهم من ثرواتها نجدهم لا يزدادون إلا مرارة، وهل نأمل من الحنظل أن ينقلب طعمه حلواً إذا سقيناه العسل؟!
ألا يزداد الثور حمقاً وشراسة كلما أكل العشب الآخضر؟ إنه يكثر لحمه ويقل عقله.
(الحياة في نظر الجائع رغيف، وفي نظر الفيلسوف مهزلة، وفي نظر الفنان مسرح، وفي نظر الأطفال لعب ولهو، وفي نظر الفتاة مظاهر، وفي نظر المرأة زواج، وفي نظر الرجل كفاح).
سجن كبير هي الحياة، وإن كنا نظن أننا نحيا بين جوانبها بحرية، سجن يدخله الإنسان باكياً، ويخرج منه شاكياً.
يحكى أن النبي داود عليه السلام، بينما هو يسيح في الجبال إذ مر على غار، فإذا فيه رجل عظيم الخلقة من بني آدم قد مات، وعند رأسه حجر مكتوب فيه بالنقش:
أنا دويسيم الملك، ملكت ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وفضضت ألف بكر من بنات الملوك، ثم صرت إلى ما ترى، فصار التراب فراشي، والحجارة وسادتي، فمن رآني فلا تغره الحياة وزخاف الدنيا، كما غرتني!
إنها الحياة يا أصدقاء..
تعلي من هم في أشد الحاجة إلى الدفن، وقد تدفن مَن يستحق أن يحيا ويعيش!