إشعال النار والتباكي من انتشارها وتهويل الإحاطة بها

في مقابلة أجريت مؤخراً حول الرأي الذي جاء نتيجة استطلاع يقول إن 98% من العينة أقرت بفشل سياسات وزارة حماية المستهلك والاستهتار بلقمة عيش المواطن، وكانت الأسئلة تدور حول مدى دقة هذا الرأي، وأن هناك أدوات أخرى لها دور في استقرار الأسعار وليس فقط هذه الوزارة، طبعاً كان الرد أن فكرة إنشاء وزارة حماية المستهلك والتجارة الداخلية أول الأزمة لها بعد كبير وعميق ورؤية صحيحة، وخاصة أن أول وزير سلمت له كان (النائب الاقتصادي)، لإعطائها صلاحيات أقوى وقدرة أكبر على الفعالية والعمل والأداء المنتج، وكذلك كانت رسالة حول الإقرار بضرورة إعادة فعالية دور الدولة في ضبط السوق والتدخل الإيجابي لتوفير السلع، ولكن للأسف كان الأداء سيئاً آنذاك – رغم أنه بدأ بتغييرات إدارية كبيرة، فغيّر معظم مديري التموين، ونظّر كثيراً حول المواطن ولقمة العيش وحول النهج الدردري الذي أطاح بالاقتصاد وكان لخدمة بعض الأشخاص وإشعال الفساد، وأنه يجب العودة إلى النهج الذي بنى سورية، وقام برنامج الدردري بالانقلاب عليه وتفريغ كل الإيجابيات التي حصل عليها المواطن، وخاصة العامل والفلاح لتمرير مشروع (توافق واشنطن) وطلبات برنامج البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للبرلة الاقتصاد العالمي تحت شعاري (السوق تنظم نفسها) و(دعه يعمل دعه يمر)، اللذين ثبت فشلهما – كان الأداء سيئاً ومتغاضياً عن الاحتكار ورفع الأسعار وفق مزاجية التجار، وقد كانت أغلب البضائع مخزنة من قبل الأزمة، ولكن تحكم التجار كان أكبر، وتغاضي موظفي هذه الوزارة كان واضحاً للعيان، وترافق ذلك مع تصريحات حول الاقتصاد للوزير نفسه أشعلت الدولار وأدخلت اليأس في النفوس، وكان الأداء السيء فاقداً الروح أيضاً، وهذه التصريحات كانت اللبنة الأولى لإشعال نيران الأسعار، وترافق ذلك بأفعال باطنها تكريس أسعار السوق من خلال التدخل بأعلى من أسعار السوق كما حصل مع الفروج المجمد، وكذلك كانت قرارات رفع أسعار المحروقات التي صدرت من هذه الوزارة ووافقت عليها، كانت بداية الانطلاقة الصاروخية للأسعار، علماً أن هذا الوزير نفسه كان من أشد منتقدي دردرة الاقتصاد، نسبة إلى الدردري الذي لم يستطع تنفيذ برنامج برفع الأسعار إلا بحدود معينة وخفضت أول الأزمة، وخاصة الوقود بشكل عام والمازوت خاصة، وأكيد أن صب الزيت على النار أدى لتكريس سياسة تعدد الأسعار وسوء النوعية على الرغم من مكافأة عناصر هذه الوزارة بتعويضات لتحريضهم على العمل، وأدى إلى أسعار ذات لهيب أحرق المواطن وأفقده صوابه، وظلت هذه الوزارة تعمل بالأسلوب نفسه، والتغاضي نفسه، إلى يومنا هذا الذي وصلت فيه الأسعار إلى حد أصبح 90% من الشعب بحاجة إلى دعم ومساعدات وأصبح الحصول حتى على السلع التي رفعوا سعرها بحاجة إلى ساعات من الانتظار ومن الواسطة والمحسوبية، وأغلب عناصر هذه الوزارة همّهم القبض والتغاضي عن تهريب هذه السلع وبيعها في السوق السوداء، وحتى التغاضي عن أجور النقل التي أصبحت تسهلك أغلب دخل المواطن وخاصة سكان الأرياف من موظفين وطلاب، وكذلك كان وضع العلاقة  ما بين الليرة والدولار فقد جرى تغاض واضح عن القرارات الصائبة الداعمة لليرة، ولم يبدأ التصدي لارتفاع الدولار وهبوط الليرة سوى عندما يحرج ويحشر المصرف المركزي من مراكز قوية للقرار، فيسارع لبعض التخديرات والترقيعات الآنية التي تزول آثارها لاحقاً، وهذا ما حدث عندما وصل الدولار إلى 103 ليرات، وفجأة بعد الضغط على حاكم مصرف سورية عاد إلى حدود الثمانينيات، ثم عاد وجمع الدولارات من السوق أول الأزمة مع عصابة المضاربين ليرفعوه إلى حدود الثلاثمائة ليرة، وبعد الضغط وتدخل الجهات المختصة هبط بقوة إلى نحو مائة وثلاثين ليرة، وعاد للارتفاع بعد قرارات مركزية برفع سعر الدولار التصديري عشر ليرات، وعادت الكرة ومستقيم الصعود علماً أن أول فترة بالأزمة كانت الأكثر طلباً للدولار خوفاً من المجهول وتسارع الإشاعات والتضليل الإعلامي وتهويل ضعف الاقتصاد وغيره، من الاذاعات المغرضة من جهة، وجهل أو تبعية بعض المسؤولين الذين أصبحوا علنا يشككوون بالاقتصاد وقدرته على مواجهة الأزمة ومتطلبات الشعب، وهو ما كان يغرد به النائب الاقتصادي، فتكاملت هذه التصريحات مع بعض الأدوات النقدية التي استخدمت في إشعال الأسعار وهبوط الثقة بالليرة ومحاباة المضاربين ومحاباة مراكز الصيرفة، ودفع بعضهم للعب دور الرافع لقيمة الدولار، كل ذلك والشعب يقترب من دائرة خطر الجوع، وهؤلاء المسؤولون يدافعون ويهربون من تحمّل المسؤولية، وخاصة في هذا الوقت الذي نعيشه بقساوة ظروفه نتيجة سياساتهم الفاشلة ونيتهم المسلوبة في الحفاظ على حصانة المواطن والوطن، في هذا الوقت أصبح بعض هؤلاء يصرحون بضرورة تعاون جهات أخرى معهم لضبط السوق والأسعار، هذا السوق الذين هم صبوا الزيت على ناره ليصبح كتلة من نار حارقة مدمرة إن لم تتخذ القرارات الحاسمة والضابطة من جهات أعلى من هؤلاء لن نستطيع إكمال المشوار، وكأن هؤلاء كان ما يقومون به مبرمجاً على وعود معسولة لهم بمناصب ومكافآت.

 في السياسة بشكل عام وفي مشكلتنا خاصة لم نر الداعم الحقيقي القوي مثلما وجدنا من يدعمون الأطراف الأخرى، فبالرغم من التطبيل والتزمير لم نجد مصداقية كاملة للحل والتخفيف من الأزمة الاقتصادية من الدول التي جعلتنا دريئة لحماية داخلها ولفرض شروطها ولرمي النار في جوفنا تأخيراً لوصولها إليهم، وقد كانت أغلب هذه الدول تكرس أشخاصاً ومراكز قوى أبعد ما تكون عن المؤسسات الوطنية لتكون عبئاً في وقت لاحق، هنا نلاحظ التقارب الكبير بين ما نمر به وما مررنا به أيام الثمانينيات من ناحية الحصار ومنع إعطاء التسهيلات وقتل الليرة السورية أمام الدولار، من خلال زمرة فساد تابعة لمشاريع خارجية. والموضوع الاقتصادي قد يفاجأ المتابع من أن طرفي اللعبة لم يتطرقوا إلى برامج واضحة لفرض سيطرة الدولة وإعادة الاعتبار للقطاع العام والوصول إلى نهج قادر على استثمار الإمكانات المالية والمادية والبشرية بما يخدم المجتمع، ولم يُنقد علناً النهج الاحتكاري الناهب الذي ورّطنا به على حساب لقمة المواطن وقوة الجسد، على الرغم من الآلام الكبيرة والكثيرة وتهشيمه للنسيج الاجتماعي القوي، الذي كان نموذجاً يحتذى به، على الرغم من النبع اليساري والتنظير بالعدالة الاجتماعية والاشتراكية لأعداد كثيرة ممن ادعوا المعارضة التي لم نر منها سوى غاية الحصول على المكاسب والمناصب، بعيداً عن أي برنامج اقتصادي اجتماعي، وبعيداً عن التفكير بالدماء والدمار، وكأن الإحساس قد انعدم وقطعت أحبال السرة برحم الوطن والمواطن، هؤلاء الذين كان يعوّل عليهم ليكونوا واجهات تمثل معاناة المواطن ومشاكله نواة لحل جامع بنّاء حالم بمستقبل يعيد الاعتبار لكل صاحب حق وطالب حق. وللأسف قبل هؤلاء ممن ادعوا إطفاء الحريق أن يكونوا الزيت الذي جعل الحريق ينتشر أفقياً وعامودياً وسيطول البشر والحجر مقابل خازوق الظهور والحصول على بعض الأمور والإطلالات الرومانسية على بعض المحطات، ولو على حساب تقديم الولاء والطاعة وتقبيل الأيادي لنافذين أو لدبلوماسيين من أجل دور في زورق السياحة تحت مسمى حل أزمة الوطن لمن لا يمثل نفسه حتى يمثل الشعب، فمن يتبع لأي دولة غير سورية، ويرتبط بقرار بعيد عن الواقع السوري وهموم مواطنها هو أبعد ما يكون عن التمثيل، وكل ذلك وفق ظروف دولية صعبة وضبابية، وإمكانية الإنقاذ تتوفر بتفريغ بيئة الصراع قدر الإمكان بمصالحات ومسامحات، ومجابهات لمن لا يرتضي بالحل السوري، وتقوية البيئة الداخلية ببعض القرارات والقراءات الصحيحة لمشهد مورست فيه الكثير من الأخطاء، وكانت نتائجه كارثية على مختلف الصعد الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وقد تتحمل الشعب ما لم ولن يقدر على تحمله أي شعب آخر، وخاصة بعد اعترافات حكومية متلاحقة بأخطاء وسوء تنفيذ الخدمات، ولكن الاعتراف من دون الاقتران بفعل لتصحيح المسار يبقى تخديراً ولا يعني العلاج، إن الزمن القادم سيحمل مفاجآت قد تكون أقل ضرراً إن تعاونّا وفق نوايا وطنية حقيقية تأخذ بالحسبان الوطن فوق الجميع، وتضع مصالح الجماعة فوق مصالح بعض الأشخاص، وأن سورية الأم الحنون للجميع، وأن البدايات ورطت الجميع بأخطاء وفق رؤية ضبابية،  ولم تصبح واضحة إلا بعد وصولنا إلى ما نحن عليه، وخاصة مع عمق اجتماعي مختلف عما طاف وجرى تعويمه من جهل وغباء وانقياد وأمراض اجتماعية قاتلة، ولدينا شخصيات وطنية منتشرة بكل أنحاء الوطن قادرة على الانتصار للعقلية السورية الجامعة العادلة الرافعة للهمم والقادرة على السير بالسفينة مهما كانت صعوبة التيار.

العدد 1195 - 23/04/2026