منارات… ومآسِ في تاريخنا

بلغت الثمانين من عمري، وبهذه المناسبة، يجول في خاطري، أبيات من الشعر، كقول زهير بي أبي سلمى:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعيش

ثمانين حولاً لا أبا لك يسام

وقول أبي العلاء المعري:

من ساءه سبب أو هاله عجب

فلي ثمانون عاماً لا أرى غلبا

الدهر كالدهر والأيام واحدة

والناس كالناس والدنيا لمن غالبا

لم يدرك الشاعران، أن التاريخ يسير على نحو خط حلزوني صاعد، كل حلقة فيها تحمل كثيراً من صفات الحلقة السابقة، لكنها أكثر علواً منها وارقى!

يسمع القاصي والداني اليوم، ويرى جرائم مدعي الدين، يحرقون الناس أحياء، ويأكلون قلوبهم وأكبادهم، كما فعلت هند زوجة أبي سفيان، عندما أكلت كبد حمزة عم الرسول، ويسوّون بالأرض المعالم الأثرية، التي أبدعها العقل الإنساني، على مر العصور، وتعاقب الأجيال! يغذي هؤلاء المجرمون ويمولهم ويسلحهم عثمانيو تركيا، وسلاطين ومشيخات الخليج وأسيادهم خلف المحيط..

استنجد هؤلاء المجرمون بالولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، لضرب سورية، وإنهائها من الوجود! وهناك من سبقهم إلى فعلتهم الدنيئة ولكن وجد في ذلك العصر كثيرون، عارضوا المستنجدين بالغرباء، على أهله.

حلف الفضول!

أسست قريش، وبعض القبائل الأخرى، حلفي الطيبين والأحابيش، للدفاع عن مصالحهم.

لم يدفع أحد المكيين، لحاج يمني، ثمن بضاعته، وقد استنجد بالحلفين فلم ينصراه، وأغلظوا له في الكلام وخذلوه! عرف الناس قصة ذلك اليمني، فقال بعضهم: فلنكرر حلف الفضول واجتمعوا في دار أحدهم وتعاقدوا على:أن لايظلم بمكة غريب ولا قريب ولا حر ولا عبد إلا كانوا معه، حتى يأخذوا له بحقه، من أنفسهم أو من غيرهم!

سمي هذا الحلف بحلف الفضول، وحضره النبي (ص) وكان في الخامسة والعشرين من عمره.

كان المواطن المكي، يخرج الى الصحراء ويصرخ: جوعان جوعان….. إلى أن يموت، وكان بعض أثرياء قريش يطعمون الفقراء، مرة واحدة في سنة! في حين كان الصعاليك يغيرون على ممتلكات الأغنياء، ويعطون الفقراء.

قال عروة بن الورد:

ذريني للغنى أسعى فإني

رأيتُ الناس شرّهم الفقيرُ

ثورات ودويلات!

نشأت الإمبراطورية العباسية، في مطلع القرن الثاني للهجرة، وتجلى الصراع حاداً وواضحاً، بين أبناء الإمبراطورية وشعوبها، وهبّت ثورات عديدة كثورة الزنج في البصرة، والثورة البابكية في أذربيجان، ورفعت شعار: المساواة بين الجنسين، وتوزيع أراضي الإقطاعيين مجاناً على الفلاحين، وقامت ثورات أخرى، في مصر وسورية، والأخطر من ذلك نشوء دويلات، كالحمدانية في حلب، والأخشيدية في مصر، والفاطمية في مصر والمغرب العربي، والدولة القرمطية في البحرين، والجزيرة العربية!

مقارنة بين القرامطة والعباسيين!

حققت الدولة القرمطية الاكتفاء الذاتي، لأبناء مجتمعها، في التعليم، والعيش الكريم ، والمساواة بين الجنسين، في حين كان أهل بغداد، يتضورون جوعاً ويعبرون عن آلمهم، فيقطعون الصلاة قبل إنهائها، ويدمرون منابر الجوامع، ويخرجون للاشتباك مع الشرطة!

المال لمن!؟

كان كثير من الخلفاء الأمويين، والعباسيين، يقولون: المال لمن؟ من شئنا أعطيناه، ومن شئنا منعناه!

أدرك علي بن أبي طالب الخليفة الرابع، أن الحاكم العادل هو الذي يكون قدوة للمحكومين، فما هو مباح له مباح لرعيته، وماهو حرام عليه حرام على رعيته! ومن أقواله: وأما الذنب الذي لا يغتفر، فظلم العباد بعضهم لبعض!

رفض علي بن أبي طالب زيادة أعطيات أخيه عقيل، الذي كان يعيل أسرة كبيرة، قائلاً له: المسلمون متساوون في أعطياتهم، ولا يغتفر قربك مني إن أعطيتك زيادة عنهم!

تعفّف بعض الأمويين!

رفض معاوية الثاني، حفيد معاوية بن أبي سفيان، تولي الخلافة، بسبب ظلم الأمويين، فمات مسموماً بعد أربعين يوماً!

أراد عمر بن عبد العزيز أن يزيد في الضرائب المفروضة على المواطنين، فأشار عليه غيلان الدمشقي، أن يبدأ ببيع أموال بني أمية، وإن لم تكفِ فتفرض ضرائب على كبار التجار، والأغنياء، فإن لم تكفِ تفرض على الرعايا!

وافق الخليفة عمر على رأي غيلان فنزل غيلان الى الأسواق، وأخذ يبيع بالمزاد العلني مقتنيات بني أمية وأموالهم الطائلة، وكان غيلان، ينادي: تعالوا إلى متاع الظَّلَمة! رآه هشام بن عبد الملك فقال: هذا يعيبني ياغيلان ويعيب أبائي. ولما صار هشام خليفة قبضت مخابراته على غيلان في أرمينيا، وساقوه إلى دمشق، حيث صُلب وقطعت أطرافه ولسانه، ومات بعد ثلاثة أيام، من هذا التعذيب، على باب كيسان، في دمشق، وهذا الباب يطل اليوم على دوار البيطرة.

وستنتصر سورية!

داعش، وجبهة النصرة، ومن لفّ لفهما، يحرقون، ويدمرون، وسبقهم في كل ذلك، مسؤولون، دمروا قصور الأمويين، ونبشوا قبورهم، ووجدوا ثلاث عظام، من جثة هشام بن عبد الملك، فجلدوها أربعين جلدة، وصلبوها ثلاثة أيام! سينقشع ليل الظلم، والبغي، والإرهاب الذي تعاني منه العديد من البلدان العربية، وفي طليعتها، سورية البطلة، بجيشها المغوار، وشعبها المكافح.

الهوامش:

1- أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه محمد بن إسحاق الفاكهي

2- من تجار الأمم، وتعاقب الهمممسكويه

3- نهج البلاغةابن أبي حديد

العدد 1195 - 23/04/2026