بين مصر رادوبيس ومصر اليوم
يطرح الروائي الكبير نجيب محفوظ في روايته الشهيرة (رادوبيس) قضية الصراع على السلطة، مستوحياً من التاريخ المصري الفرعوني فصلاً نموذجياً من فصول هذا الصراع الأزلي، مضمناً إياه كل العناصر والرموز الأساسية والثانوية اللازمة لمعالجة الفكرة وبلورتها بالاتكاء على بيئة روائية غنية يتداخل فيها التاريخ بالأسطورة والسحر والخيال،سارداً الحدث من خلال شخصيات بسيطة صرفة واضحة المعالم تنساب بسهولة ويسر ضمن الإطار التاريخي الجذاب الذي اختاره لها:
فرعون شاب متعجرف حديث العهد بشؤون مُلكٍ ورثه عن أبيه مؤخراً.
(خنومحتب) رجل المملكة القوي الذي يستمد قوته من منصبيه الخطيرين فهو رئيس للوزراء وكبير للكهنة في آن واحد.
(رادوبيس) الغانية التي سلبت لبّ الفرعون الشاب بجمالها الآسر الخارق.
(طاهو) قائد الحرس الفرعوني ذو التاريخ العسكري المجيد وعشيق رادوبيس السابق.
وغيرها من شخصيات ثانوية تشكل بمجملها صورة تخيلية متكاملة للمجتمع المصري الفرعوني. ويندلع الصراع حين يقرر الفرعون المندفع وضع يده على أراضي المعابد التي تشكل حيزاً كبيراً من أراضي المملكة ليسفح ريوعها عند قدمي معشوقته الغانية رادوبيس، فيصطدم سريعاً بالفئة المستفيدة من هذا الامتياز القديم.. طبقة الكهان ممثلة بكبيرهم الداهية (خنومحتب). ويتفاقم النزاع بين الفرعون الذي يأبى لإرادته أن ترد، وبين تلك الفئة القوية المستحكمة بمفاصل المملكة والمستحوذة على قلوب الشعب المغلوب على أمره، فلا تعدم الوسيلة للذود عما تراه حقاً مكتسباً لها منذ عهود بعيدة، لا يحق لأي كان سلبها إياه حتى ولو كان الفرعون ذاته. فتحاك المكائد والدسائس وتدبر المؤامرات بين الطرفين لينجلي غبار الصراع في النهاية عن ثورة شعبية عارمة أطاحت بالفرعون الأرعن الذي استهان بقوة خصومه فبوغت بقدرتهم على تأليب الشعب ضده من خلال استغلال العلاقة المشبوهة التي أقامها مع رادوبيس لتشويه صورته وتمزيق هالة القداسة التي تحيط باسمه. أما العامل الأهم في حسم الصراع لصالح الكهان فكان خيانة قائد الحرس الفرعوني (طاهو) لسيده، وانحيازه إلى جانب خصومه بدافع من رغبته في الانتقام من عشيقته رادوبيس التي جرحت كبرياءه بتفضيلها سيده الفرعون عليه.
هذا باختصار ما كان من أمر مصر في عصر رادوبيس كما تخيلها أديبنا الفذ نجيب محفوظ.
حتى الأمس القريب لم تكن مصر المعاصرة لتختلف عن مصر رادوبيس كثيراً، وإن تغيرت المسميات وتبودلت الأدوار.. فرعون وحاشية وكهان استأثروا طويلاً بمقدرات البلاد ومصائر العباد، وشعب مغلوب على أمره لطالما دفع ثمن اتفاقهم واختلافهم.
ولكن الصورة اليوم اختلفت كلياً، ومصر اليوم لم تعد تشبه مصر رادوبيس إطلاقاً. الشعب المغلوب على أمره ضاق ذرعاً بتلك الرموز الروائية المتجسدة واقعاً كالحاً كاد يحيل أرض الكنانة خراباً ويباباً،فانفجر في وجههم مجترحاً ملحمة كرامة وكبرياء أذهلت العالم، فإذا بالفرعون المستبد وحاشيته أثراً بعد عين، وما هي إلا أشهر حتى أتبعه بالكاهن الانتهازي الذي سوَّلت له نفسه إمكان استنساخ تجربة (خنومحتب) والتفرعن على أكتاف الشعب الثائر ورقابه. (طاهو) اليوم تاب عن خطيئته وثاب إلى خيار الشعب، فغدا حامياً له وأميناً على صون إنجازه الباهر. أبناء أم الدنيا أدركوا درب الخلاص فكفكفوا دموعها الغالية وأعلنوا كلمتهم الفصل: لا وصاية لأحد على أمنا بعد اليوم.. لا فرعون أرعن ولا كاهن متفرعناً ولا حاشية مستأثرة.
أما رادوبيس اليوم.. فها هي ذي تقبع وراء المحيط، مرتبكة ذاهلة تزدرد كأس الحقيقة المر.. تجتر ذكرى الأيام الخوالي.. أيام كانت معشوقة قلوب فراعنة مصروكهانها، ومهوى أفئدتهم تلك الطغمة التي جعلت من أم الدنيا بأهراماتها ونيلها، مجرد جارية مطيعة تُؤمر فتلبي وتُنهى فتنتهي.
رادوبيس.. نجمكِ إلى أفول، وعقارب الساعة لن تعود إلى الوراء ثانية.. وإن هي إلا هنيهةحتى يبلغ فيضان النيل مداه فيلتقي ببردى والفرات مجدداً، وحينئذ سينداح الطوفان العظيم جارفاً بقايا وفلول عشاق حلمك الكاذب.