ثلاثة رسامين فلسطينيين يقتفون أثر «حنظلة» ناجي العلي في ذكرى رحيله الـ26
في 29 آب/ أغسطس 1987 رحل رسام الكاريكاتور الفلسطيني العالمي ناجي العلي في لندن، إثر تعرضه لعملية اغتيال جبانة على يد مجهول. ورغم مضي كل هذه السنوات فإن رسومه التي اشتهرت بانتقاداتها الحادة واللاذعة للعدو، ولمن يسير في ركابه، بلغة وطنية صادقة، لا تزال تحاكي الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية. ولقد ذهبت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية ذات يوم إلى أنه (إذا أردت أن تعرف رأي العرب في الولايات المتحدة فانظر في رسوم ناجي العلي).
اليوم – بعد مرور 26 عاماً على رحيله – لنا أن نتساءل: ما الذي يقوله ثلاثة رسامين فلسطينيين من حملة مشعل (حنظلة، الشهيد الشاهد)، عن الأثر الذي خلَّفه ناجي العلي الإنسان والموقف والفنان في منجزهم البصري ورحلة عطائهم؟
عباس: استشرف مبكراً الخطر الداهم
البداية كانت مع رسام الكاريكاتور هاني عباس (فلسطيني يقيم في سورية)، يقول: (كان ناجي يقول ما لا يقال، ويرسم ما لا يرسم، ليبقى العلامة الفارقة في حرية التعبير في زمن التكميم والقتل. بعيداً عن التقنية والتكنيك في الرسم. سأركز على جانبين أساسيين في رسوم ناجي العلي: الجانب الأول هو الحميميّة والاقتراب من الناس إلى حد الالتصاق. والجانب الثاني هو نطق الحقيقة بكامل تفاصيلها في رسومه.
لم يكن الرمز (حنظلة) فقط هو ما جذب الملايين لمتابعة رسوم ناجي، بل إن الجميع قد وجد نفسه في كل كاريكاتور كان يرسمه. فاطمة وأبو حسن والرجل الطيب، الأطفال الصغار، الحجر الفدائي والبندقية.. لتصبح مساحة الكاريكاتور هي لسان حال كل إنسان بسيط ومتعب على هذه الأرض. ما مكن الحالة السابقة هو الحقيقة المجردة التي كان ناجي يطلقها في رسومه دون مواربة أو خوف. وهي التي حشدت الملايين حول رموزه المنتقاة بعناية من الشارع آنذاك. أيام ناجي العلي كانت البوصلة واضحة تماماً، العدو واضح تماماً، لناجي وجماهيره كان العدو الصهيوني هو العدو الأول، يليه من تآمر مع الصهاينة من العرب والفلسطينيين.
إذن البوصلة كانت تشير إلى عدوين حقيقيين للشعب، وبنفس الاتجاه، لا فرق هنا بين الحالتين بل ربما الحالة الثانية كانت أقسى وأصعب على ناجي العلي.
ماذا كان ليرسم ناجي العلي لو كان بيننا الآن؟ هذا هو السؤال الذي يخطر ببال الكثيرين الآن، ولا أجد صعوبة في التخمين، ولا يحتاج ناجي إلى رسوم جديدة. المعادلة الكيمائية في رسوم ناجي دقيقة وصحيحة، والعناصر التي كانت تتفاعل أيامه هي نفسها التي تتفاعل الآن، مع تغيير الحوجلات الزجاجية فقط. لقد استشرف ناجي مبكراً خطر دود الخل الذي هو منّا وفينا. وبدأ يصرخ منادياً بتطهير الثورة من كل الديدان الطفيلية، لكن المواجهة كانت أصعب مما تخيل.. عازف الوجع الجماعي كان يعزف منفرداً. ولأنه لم يكن انتهازياً لأي طرف، لم يرغب أي طرف في حمايته. لكن عندما استشهد ناجي بكا الكل وتباكى على قميصه المضرج بالدماء، وصاحوا جميعاً: لقد أكله الذئب، لقد أكله الذئب.
الجعفري: تحت ظلاله عبر كل جيلي
ويقول رسام الكاريكاتور ناصر الجعفري (فلسطيني يقيم في الأردن): (ممعناً في الولوج حتى آخر الجرح، حميماً ودافئاً يقطر بسمة وألماً ومرارة: ناجي سليم خليل العلي، فنان معجزة، اشتق الحرف من الخط أو الخط من الحرف، ناطقاً بحوار مدهش يصيبك بالذهول. خط رسم كلمة فترى مأساة مجسدة أمامك بكل تفاصيلها الملحمية، مرارة اللجوء، ووجع الترحال، ليتسع أكثر في المخيلة ثم العطاء، فترى في لوحته فقراء النيل، ومعدمي السودان، وباتساع أوجاع وجراح الأمة من محيطها إلى خليجها. اليوم وبعد هذه السنوات الطوال على غيابه، يتردد سؤال يتكرر ما بين مريديه، ترى ماذا كان ناجي سيقول لو كان هنا؟ ناجي أو (حنظلة) احترف الغياب كما احترف الحضور، لم يقل شيئاً وقد قال كل شيء، وأسس لنهج كاريكاتوري ملتزم عبر تحت ظلاله كل جيلي من رسامي الكاريكاتور، واكتسبنا ثقة واحترام شارع اقتنع برسالة ناجي أولاً، فبات يحب فن الكاريكاتور ويتابعه، ويجد فيه فسحة أمل وفضاء حرية.
لم ينجح مغتالوه بقطع الحبل السري ما بينه وبين الناس، فتكاثر (حنظلة) ودخل عصراً آخر بكل سلاسة، فهو المنتشر اليوم عبر صفحات الإنترنت التي لم يعاصرها، وله مثل كل الناس صفحات وصفحات على (الفيس بوك)، وله حفاوة على (اليو تيوب)، حين لا يعلم أحد أو لا يهتم أحد لمصير جلاديه البائس في زوايا معتمة وبشعة من التاريخ.
(حنظلة) اليوم كما بالأمس الشهيد الشاهد، يرصد الحلم والغد، ويستمر كما علم هو مبكراً، أكثر بأجيال وأجيال من جلاديه.
سباعنة: لا وجود لوريث شرعي لحنظلة العلي
ويأتينا صوت رسام الكاريكاتور محمد سباعنة من قلب الضفة الغربية، ليؤكد لنا وحدة (جغرافيا ناجي العلي)، وتعلق الداخل والخارج على حد سواء بناجي الرمز والقضية. يقول سباعنة: (أعترف أنا الفلسطيني الذي عاش في الاغتراب لسنوات، أن ناجي العلي كان النافذة الأهم لنا لرؤية الوطن باللونين الأبيض والأسود، ناجي المحاط بكل هذا الشوق والشوك كان اللغة البسيطة التي علمنا إياها أبوانا في سني الاغتراب، لنتعلم لغة الوطن كأول لغة وأول كلمات. قد يكون الشوق المحاط بالبعيدين عن فلسطين سبباً مهماً للتراكض نحو لوحات ناجي. وكإنسان اختار طريق ناجي ليعلن موقفه السياسي ومدى حبه لهذا الوطن. ولأن ناجي كان الصورة الأولى لهذه الطريق أعترف بأني سجنت كثيراً بتأثيره الكبير علي في الخطوط واللغة، وأحياناً الموقف السياسي، الشيء الذي بذلت من أجل التخلص منه الشيء الكبير، لا تقليلاً من أهمية تجربته ولكن لأكوِّن تجربتي الخاصة بي. ولأن ناجي لا يتكرر فقد تمكنت من الخوض بعيداً عن تجربته، ولكن ضمن فلكها، لأننا جميعاً متفقون على الهدف الذي ندور في فلكه جميعاً.
تمتع ناجي ضمن عمله في مرحلة سياسية ساخنة باقترابه من الشارع والتصاقه به، وتواصله الكبير معه رغم غياب كل الأساليب الحديثة لهذا التواصل من مواقع تواصل اجتماعي وغيرها. وأحسده على أن هذا الشارع الفلسطيني في تلك المرحلة كان لديه انتماء إلى الوطن أكثر من انتمائه إلى الحزب، فرغم انتقاد ناجي للأحزاب الفلسطينية إلا أن الشارع الفلسطيني بقي مخلصاً لأعماله ومتابعاً لها على العكس مما يحدث اليوم، فيكفي أن تنتقد حزباً سياسياً فلسطينياً ما حتى تنهال عليك الشتائم والمسبات! لم تأت تجربة حتى الآن كتجربة ناجي العلي لا من حيث التجربة ذاتها، ولا الظروف المحيطة بها. وأرى أن كل من يعلن أنه تكرار أو أنه الوريث الشرعي لناجي العلي ما هو إلا متسلق على هذا الإرث. ناجي الذي استطاع أن يحول (حنظلة) إلى رمز من رموز فلسطين، حتى أصبح الكثير من دول العالم يعرفون فلسطين من خلال (حنظلة)، محاط بقدسية الشهادة وقدسية الفدائي الملثم، ولم يأت وريث له، وإن أتى فالشارع هو الذي ينصبه في هذه المكانة والمرتبة، وليس من حق أحد أن ينصب نفسه على عرش ناجي أو أن يتسلق عليه.